الوباء كشف الاضطرابات في المنظومات الصحية

الوباء كشف الاضطرابات في المنظومات الصحية

الثلاثاء - 11 صفر 1442 هـ - 29 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15281]

هل يُعدُّ الرقم الـ200 ألف أقل من الحصيلة الحقيقية، حسبما يرى البعض، أم أنه تقدير مبالَغ فيه؟ وما الذي يكشفه هذا الرقم عن المخاطرة المستمرة التي نواجهها؟ هل كان من الممكن الحيلولة دون سقوط مثل هذا العدد من الموتى؟ وكيف ينبغي لنا النظر إلى هذا الرقم في إطار قرابة 3 ملايين يُتوفون سنوياً؟
في الواقع، يشكل الرقم الـ200 ألف تراكماً لمجموعة من التخمينات والتقديرات. أما ما يحاول هذا الرقم تمثيله، فهو عدد الأفراد الذين كانوا ليظلوا معنا اليوم لولا ظهور الوباء.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن الأفراد قد يموتون بصورة معقدة ويحظى الأطباء ببعض الحرية في كتابة شهادات الوفاة. وهناك بعض الأشخاص الذين جاءت نتائج اختبارات «كوفيد - 19» الخاصة بهم إيجابية، لكنهم توفوا لأسباب أخرى، وهناك آخرون توفوا بسبب توقف القلب أو التهاب رئوي ناجم عن عدوى لم يتم رصدها.
وهناك رقم آخر باستطاعته تسليط الضوء على مسألة عدد الأشخاص الذين توفوا حقاً بسبب «كوفيد - 19»: إجمالي الوفيات هذا العام مقارنةً بالوفيات خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. منذ بضعة أسابيع، عندما كانت الحصيلة الرسمية لوفيات فيروس «كوفيد - 19» 172.000 كانت الزيادة في وفيات العام الحالي عن الفترة ذاتها من العام الماضي تبلغ 245.000 وفاة، حسبما شرح عالم الأوبئة بجامعة ييل، دانييل وينبرغر. ويترك هذا رقماً ضخماً من دون تفسير. من المحتمل أن الكثير من الوفيات ناجمة عن الإصابة بفيروس «كوفيد - 19»، وإن كان القليل منها ربما ناجماً عن امتناع الأفراد عن السعي وراء الحصول على رعاية صحية حال التعرض لأزمات قلبية أو مشكلات صحية حادة أخرى.
وسعى وينبرغر وزملاؤه إلى التعمق أكثر في دراسة الأمر، من خلال النظر في متى وأين وقعت هذه الوفيات المبهمة. وتوصلوا إلى أن الكثير من هذه الوفيات وقعت خلال الصيف في ولايات شهدت ارتفاعاً كبيراً في أعداد المصابين بالفيروس، بينما أظهرت الولايات التي اتسمت بأعداد أقل من المصابين بالفيروس خلال الصيف، مثل ماساتشوستس، معدلات وفيات مألوفة.
ودفع هذا وينبرغر إلى نتيجة مفادها أن التقدير المعلن لوفيات فيروس «كوفيد - 19» أقل من العدد الحقيقي، وأن الولايات المتحدة بلغت مستوى الـ200 ألف وفاة بالفعل منذ بضعة أسابيع.
ونشر وينبرغر وزملاؤه تفسيرهما لأعداد الوفيات الإضافية في عدد «دورية الجمعية الطبية الأميركية» الصادر في يوليو (تموز). كما تولى وينبرغر تحديث تحليله في وقت قريب.
من جهته، قال عالم الإحصاء وخبير تحليل المخاطر لدى جامعة كمبريدج، ديفيد سبيغلهالتر، إن إمعان النظر في هذه الأرقام بمقدوره كذلك تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر. وأشار إلى أن مخاطرة الوفاة بمجرد التعرض للإصابة بالعدوى ترتفع بنسبة نحو 13% مع كل عام يزيد في العمر، ما يعني أن معدل المخاطرة يرتفع على نحو شديد السرعة أشبه بالفائدة المركبة.
وخلال دراسة نُشرت في وقت سابق من الشهر في «الدورية الطبية البريطانية»، قارن سبيغلهالتر بين ذلك والمعدل الطبيعي الذي ترتفع فيه مخاطرة الوفاة مع التقدم في العمر. وأشار إلى أن المخاطرة ترتفع على النحو ذاته، لكن ليس بهذه الحدة، ويبلغ معدل الارتفاع في مخاطرة التعرض للوفاة 10% عن كل عام. وقال: «فيروس (كوفيد – 19) يعاقب على التقدم في العمر بقسوة أكبر».
الملاحَظ أن أغلبية الأفراد يبالغون إلى حد كبير في مخاطرة الوفاة بمجرد التعرض للإصابة، بناءً على اعتقادهم بأن احتمالات الوفاة تبلغ نحو 20%، هذا تقدير صحيح، لكن فقط إذا كنت في التسعينات من العمر. وشرح سبيغلهالتر أن ثمة زاوية أخرى للنظر إلى الأمر: أن الإصابة بالفيروس تضاعف الاحتمالية الطبيعية لتعرضك للموت في عام ما. وإذا كانت مخاطرة تعرضك للوفاة جراء أسباب أخرى منخفضة، فإن مضاعفة هذه المخاطرة تظل ضئيلة. وفيما يتعلق بغالبيتنا، فإن الاحتمالية لا تتجاوز جزءاً صغيراً من نسبة مئوية. في المقابل، فإنه فيما يتعلق بالأشخاص الأكبر سناً، تصبح المخاطرة ضخمة.
أيضاً، يكمن لدى تفحص الأرقام التعرف على عدد سنوات الحياة التي يقتنصها الفيروس من الناس. والتساؤل هنا: هل كان الضحايا بالفعل على أعتاب الموت؟ يرى سبيغلهالتر أن هذا التساؤل يمكن تناوله من خلال تفحص معدلات الوفيات بعد بلوغ الوباء نقطة ذروته الكبرى. إذا أعقب ذلك تراجع كبير في معدلات الوفيات، فإن هذا يعني أن الأشخاص الذين ماتوا في أثناء الوباء كانوا سيموتون في الأسابيع اللاحقة. وفي هذه الحالة، ربما يكون كل ما فعله الوباء ببساطة أنه دفع جميع الوفيات التي كانت ستحدث في غضون ستة أشهر نحو فترة أصغر، ربما ثلاثة أشهر فقط.
وقد تفحص سبيغلهالتر البيانات المتعلقة بالمملكة المتحدة، حيث حدث تراجع طفيف في الوفيات خلال الشهور التي أعقبت ذروة تفشي الفيروس في الربيع، لكن التراجع كان أقل مما توقع. ودفعه ذلك إلى استخلاص أنه حتى المصابون الذين كانوا في الثمانينات من العمر، كان لا يزال لديهم بضع سنوات في الحياة. وقال: «الكثيرون منهم كانوا طاعنين في السن وفي حالة واهنة، لكنّ هذا لا يعني بالضرورة أنهم كانوا على وشك الوفاة».
ويمكن لأرقام الوفيات الكشف عن طبيعة الاضطراب الذي تعرضت له المنظومة الصحية. داخل المملكة المتحدة، انخفضت على نحو بالغ معدلات الوفيات داخل المستشفيات غير المرتبطة بـ«كوفيد - 19» في أثناء فترة ذروة تفشي الفيروس في الربيع، على نحو يتوافق مع عدد الأفراد الذين جرى التصريح بخروجهم من المستشفيات. وخلال الفترة ذاتها، تُوفي أعداد أكبر بكثير من الأفراد داخل منازلهم لأسباب لا صلة لها بـ«كوفيد - 19».
والتساؤل هنا: هل كان يمكن أن يعيش هؤلاء لفترة أطول لو أنه سُمح لهم بالبقاء لفترة أطول داخل المستشفيات؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإن هذا يعني أن هؤلاء الأشخاص ضحايا غير مباشرين للسياسات التي جرى اتباعها لمواجهة الوباء. وقد لخص سبيغلهالتر بعض النتائج التي خلص إليها في مقال نشره في عدد حديث من «نيو ساينتست مغازين».
من ناحيته، طرح الخبير الديموغرافي لدى جامعة كاليفورنيا بيركلي، رونالد لي، تساؤلات أوسع حول الأسلوب الذي أثر من خلاله الوباء على سكان الولايات المتحدة والعالم. وشرح أنه: «رغبت في إضفاء بعض المنطق على الأمر -هل سيتراجع العمر المتوقع بمقدار 20 عاماً وينكمش السكان؟».
وعكف لي بالتعاون مع زميله جوشوا غولدستاين على تفحص تداعيات الوباء على العمر المتوقع إذا ما تمكن الوباء نهاية الأمر من قتل مليون شخص داخل الولايات المتحدة -وهو تقدير يبدو متشائماً الآن، لكنه لم يبدُ كذلك في مارس (آذار) الماضي، حسبما أوضح لي.
من شأن ذلك الوضع اقتطاع نحو ثلاث سنوات من متوسط العمر المتوقع -لينخفض بذلك من 78.9 إلى نحو 75.9. أو حسبما أوضح لي، أن الوباء فعلياً يعطي الأفراد العمر المتوقع لشخص يكبرهم بثلاثة أعوام -أو أكبر منهم بعام واحد إذا بلغ عدد الوفيات تقديراً أكثر تفاؤلاً وهو: 250.000.
وشرح لي أنه من زاوية سنوات العمر المفقودة، فإن «كوفيد - 19» يسرق من أعمار الناس عدد سنوات أقل بكثير من وباء الإنفلونزا عام 1918 أو فيروس نقص المناعة، الذي يميل لقتل أشخاص أقل عمراً بكثير.
في نهاية الأمر، يبقى من المهم للغاية فهم الأرقام المطروحة من أجل استيعاب ما يحدث في خضمّ هذا الوباء، وصياغة الأهداف المناسبة، مثل الإبقاء على منظومة الرعاية الصحية فاعلة من دون تحمل أعباء تفوق طاقتها. كما أن فهم الأرقام ييسّر مهمة توقع المسار الذي سيتخذه الوباء خلال الفترة المقبلة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لإنقاذ الأرواح.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة