أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا

«فزاعة الإنترنت» أقلقت أصحاب الملايين وأثارت غضب الكرملين

أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد  إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا
TT

أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا

أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد  إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا

ليس أليكسي نافالني أول معارض روسي يرتبط اسمه بقوة بسلاح كيماوي خفي فتاك، أدخله في غيبوبة طويلة، وكاد يقضي عليه، مفجراً جدلاً واسعاً وعاصفة جديدة في علاقات روسيا مع الغرب. إذ عرفت روسيا قبله الكثير من الحالات المماثلة.
أسماء برزت بقوة وبشكل مفاجئ عندما تعرض أصحابها لملاحقات ومحاولات اغتيال وصفت بأنها من تدبير أجهزة الاستخبارات الخارجية الروسية. بعضها انتهى بأن صمت أصحابها إلى الأبد. وبعضها الآخر اختفى أبطالها في أماكن مجهولة ليقضوا حياتهم بعيدا عن الأضواء بأسماء مستعارة وحياة مستعارة.
غير أن نافالني ليس واحدا من هؤلاء. فهو لا ينتمي إلى مجموعات «حيتان المال» التي راكم أصحابها ثروات خيالية في سنوات انهيار الدولة وتراجع قدراتها، قبل أن يفر بعضهم من البلاد، ويتعرض لملاحقات ومحاولات قصاص. كذلك فهو ليس واحدا من عملاء الأجهزة الخاصة أو الجواسيس الذين اختاروا أن ينشقوا، أو أن يلجأوا إلى الغرب طلبا للحماية. بل هو مجرد محامٍ شاب من عائلة متوسطة، صعد نجمه بقوة في بلاده لأنه اختار أن يسبح عكس التيار.

يصف مناصرو الكرملين أليكسي نافالني بأنه عنصر استفزاز حمل لواء مكافحة الفساد، ليحصل على الشهرة ويتلقى الدعم الخارجي لزعزعة الأوضاع في روسيا. ويضيفون أنه تلاحقه الملفات الجنائية داخل البلاد من كل حدب وصوب، وسبق له أن جرب غالبية مراكز التوقيف التابعة لوزارة الداخلية بسبب إصراره على مدى سنوات على تنظيم احتجاجات ومظاهرات غير مرخصة قانونياً.
وحقاً، سعى الكرملين في غير مناسبة إلى التقليل من شأن نافاني وتحقيره، لدرجة أنه لم يذكر اسمه في أي تصريح رسمي. كذلك تجنب الإشارة إليه بصفته سياسياً أو حقوقياً في تعليقاته، فهو «المدون» الذي ينشر معلومات مضللة تارة، و«منتهك القوانين» أحياناً.
أما بعد حادثة تعرضه للتسمم في مدينة أومسك السيبيرية النائية الهادئة، فإنه غدا «المستفز»، أي صاحب الاستعراض الاستفزازي. ومن ثم، بعد نقله إلى مستشفى في العاصمة الألمانية برلين للعلاج، صار يحمل اسم «نزيل مستشفى برلين» وفقاً لتعليقات الديوان الرئاسي الروسي، وهي التسمية الأكثر رواجاً اليوم في وسائل الإعلام الحكومية. وفي المقابل، رأى أنصار المحامي الشاب فيه زعيماً واعداً لمعارضة مفككة وضعيفة، لكنه رغم تفككها وضعفها، نجح في إثارة قلق واسع بسبب تحقيقاته عن الفساد التي طاولت شخصيات بارزة.
ويتحدث المعارضون عن قدرات ومواهب بارزة، جعلت نافالني قادراً على تحدي السلطات في أكثر من مبارزة، ومكنته من إثبات حضور قوي، حوله إلى عدوٍ لدودٍ للرئيس فلاديمير بوتين.

- بطاقة هوية
ولد أليكسي نافالني في بلدة أدينتسوفا إلى الجنوب من العاصمة الروسية موسكو عام 1976. وأنهى دراسته الجامعية في كلية القانون بجامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو. ثم يواصل في العام التالي دراسته في تخصص جامعي جديد، بأعمال المحاسبة والأوراق المالية، وهو التخصص الذي ساعده كثيراً في إعداد تحقيقات واسعة عن النشاط المالي لكبار المسؤولين الروس.
أيضاً، منذ كان نافالني طالباً في الجامعة، اتجه إلى ممارسة نشاطات مهدت لظهوره في عالم السياسة لاحقاً. إذ أسس مجموعات شبابية، وقاد نشاطات ركزت في غالبيتها على مسألة دعم القطاعات الأقل حظاً، وملاحقة انتهاكات بعض المؤسسات الحكومية.
وفي فترة لاحقة، أقدم المحامي الشاب الذي يدير والداه مشروعاً تجارياً صغيراً لكنه ناجح، على شراء أسهم قليلة في عدد من الشركات الروسية العملاقة، مثل «غازبروم» و«مصرف التجارة الخارجية»، واستغل وجوده كمساهم - على قلة عدد أسهمه - في تسجيل الملاحظات على أداء المكاتب الفرعية للشركات، وآليات تعاملها مع صغار المستثمرين... وهو ما وضعه في مواجهة معها، وأثار ضده الكثير من الاستياء.

- خبرة في التدقيق المالي
لقد شمل نشاط نافالني مجالات عدة، جعلته يراكم خبرات في عمليات التدقيق المالي وأعمال رصد الانتهاكات، فضلا عن تكريس اسمه في أوساط المعارضة كممثل لجيل جديد من المعارضين الشباب. إذ أنه في عام 1998 - 1999 عمل في شركة لتطوير الكفاءات. ومن بين أمور أخرى، كان منخرطا في مراقبة العملات وتشريعات مكافحة الاحتكار، وفي الوقت نفسه بدأ دراسة أعمال الصرف والأوراق المالية في الأكاديمية المالية.
بعدها، عام 2000، أسس المحامي الشاب مع أصدقاء في كلية الحقوق شركة للأوراق المالية امتلك هو 35 في المائة من أسمهما وشغل منصب كبير المحاسبين فيها، إلا أن هذه الشركة أعلنت إفلاسها في وقت لاحق. ولاحقاً، تنقل بين عدة أعمال قبل أن يطرق باب الصحافة عام 2006، كمقدم لبرنامج متخصص في كشف انتهاكات مالية تبثه إذاعة «صدى موسكو»، ذات السياسة التحريرية الانتقادية بصرامة لنهج الرئيس الروسي الداخلي.
أما على صعيد النشاط الاجتماعي – السياسي، فقد انخرط نافالني منذ عام 2004 بتأسيس ما سمي بـ«لجنة حماية سكان موسكو»، وهي حركة على مستوى المدينة لمناهضي الفساد تخصصت في رصد عمليات انتهاك حقوق المواطنين أثناء حركة البناء والإنشاءات الكبرى في موسكو وعلى أطرافها. وفي العام التالي ساهم في تأسيس «حركة الشباب» التي أطلقت مشروع «الشرطة مع الشعب». وحتى العام 2006 عمل في مؤسسات إعلامية كمنسق لمشروع المناظرات السياسية، قبل أن يغدو في العام التالي أحد مؤسسي «الحركة الشعبية» التي وضعت برنامجا لتكافؤ الفرص في النشاط السياسي. ومن ثم، عام 2008 أسس مجموعة «اتحاد مساهمي الأقلية»، التي تعمل على حماية حقوق المستثمرين من القطاع الخاص.

- في الميدان السياسي
في هذه الأثناء، انخرط نافالني لبعض الوقت في نشاط حزب «يابلوكو» الليبرالي اليميني. إلا أنه غادر صفوفه إثر أزمة تعلقت بمطالبات لمؤسس الحزب وقائده التاريخي غريغوري يافلينسكي بالاستقالة من رئاسة الحزب وإفساح المجال أمام جيل جديد من السياسيين. وبالمناسبة، فإن هذا الحزب رفع ضد نافالني قضية جنائية بسبب هذه الحادثة.
وبعد ذلك ساهم في تأسيس حركة «نارود» (الشعب) التي شكلت الجسم السياسي الأساسي له، وسعى من خلالها عام 2008، لإنشاء تجمع واسع لقوى المعارضة حمل اسم «الحركة الوطنية الروسية». وفي تلك الحقبة برزت الميول القومية في نشاطات نافالني السياسية، إذ أعلن ذات يوم أن «القومية السياسية الجديدة» حركة ديمقراطية ستمنح فيها مائة نقطة أمام الليبراليين السيئي السمعة، وأكد أن القومية «يجب أن تصبح جوهر النظام السياسي الروسي». وأولى، كذلك، في إطار هذا الميل نحو الفكر القومي أهمية كبيرة لسياسة الهجرة.

- توجهات قومية صريحة
وحقاً، قال نافالني في إحدى المناسبات «فكرتي هي أنه لا داعي لحظر هذا الموضوع. يعود فشل حركتنا الديمقراطية الليبرالية إلى حقيقة أنهم اعتبروا من حيث المبدأ بعض المواضيع خطرة للمناقشة، بما في ذلك موضوع الصراعات القومية بين الأعراق. في غضون ذلك، هذه أجندة حقيقية. يجب الاعتراف بأن المهاجرين، بما في ذلك أبناء القوقاز، غالباً ما يذهبون إلى روسيا بقيمهم الخاصة جداً. لقد تغلب الروس على هذا المستوى من التحيز منذ زمن بعيد. على سبيل المثال، في الشيشان يطلق النار على النساء اللواتي يتجولن دون الحجاب من مسدس كرات الطلاء ثم يقول (الزعيم الشيشاني) رمضان قديروف: أحسنتم يا شباب، أنتم أبناء حقيقيون للشعب الشيشاني! ثم يأتي هؤلاء الشيشان إلى موسكو. لدي هنا زوجة وابنة. وأنا لا أحب ذلك عندما يضع الأشخاص الذين يقولون: إنه يجب إطلاق النار على النساء بمسدس كرات الطلاء قواعدهم الخاصة هنا». ولكن، في وقت لاحق، تخلى نافالني عن هذه التوجهات القومية، - على الأقل في خطاباته العلنية – إلا أنه لم يجر أبداً مراجعة كاملة لتجربته في العمل مع مجموعات ذات توجه قومي.
عموماً كانت تلك التجربة المصغرة، لأداء نافالني في وقت لاحق. لكنه قبل أن يطلق مشروعه الكبير الذي حمل اسم «صندوق مكافحة الفساد»، خاض تجربة العمل السياسي الميداني المباشر، من خلال تنظيم سلسلة أعمال احتجاجية كان عنوانها مكافحة الفساد. وبرز اسمه بقوة فيها في العامين 2011و2012 عندما شهدت المدن الروسية أوسع احتجاجات تزامنت مع عودة الرئيس فلاديمير بوتين إلى الكرملين رئيساً لولاية جديدة. وفي العام التالي، قرر نافالني أن يتحدى ماكينة الانتخابات، ليخوض أول معركة سياسية كبرى، كانت خاسرة. إذ رشح نفسه لرئاسة حكومة موسكو، أمام مرشح حزب السلطة «روسيا الموحدة» سيرغي سوبيانين.
مع هذا، ومع أن نافالني خسر في تلك الانتخابات، فإنه حقق مفاجأة ما كانت لتخطر على بال أحد، عندما حصد أصوات ثلث الناخبين في العاصمة الروسية، ما أدخله دوائر المنافسة السياسية كخصم جدي له وزنه وأنصاره، ويستطيع تحقيق مفاجآت.

- حزب «روسيا المستقبل»
فتح هذا «الإنجاز» شهية نافالني، وبالتزامن مع بدء محاولات لتنظيم صفوف المعارضة، وتركيز الجهد على استمالة الفئات الشابة، أسس في العام ذاته حزباً سياسياً حمل اسم «روسيا المستقبل». وخاض على الأثر، جولات حوار وسجالات كثيرة لتوحيد أحزاب المعارضة الصغيرة إلا أن محاولاته لم تؤت ثمارا. ومع انشغاله في الفترة اللاحقة بالمشاركة في أعمال احتجاجية لم تعد تقتصر على موسكو، بل باتت تمتد إلى مدن ومقاطعات نائية، قرر عام 2016 أن يضرب ضربته الكبرى، فأعلن عزمه الترشح لمنصب الرئاسة منافساً للرئيس بوتين الذي كانت ولايته الرئاسية الثالثة تقترب من نهايتها عام 2018.
ووفقاً لهيئة تحرير صحيفة «فيدوموستي» المتخصصة في مجال المال والأعمال، فإن نافالني كان في الواقع «السياسي الوحيد الذي أجرى حملة انتخابية كاملة عام 2017». ومع ذلك في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أي قبل ثلاثة شهور من حلول موعد التصويت، وقبل أيام معدودة على إغلاق الباب أمام الترشح للمنافسة على المنصب، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية رفض تسجيله بسبب إدانته في قضية جنائية رفعت ضده.
نافالني نشر لاحقاً على مواقعه تفاصيل كاملة تبرئ ذمته المالية في القضية التي رفعتها شركة حكومية تتهمه بتبديد واختلاس عندما كان مديرا لأحد فروعها، لكن هذه القضية تم البت بحكم نهائي فيها في أول جلسة للمحكمة. وكانت النتيجة أن نافالني لم يخسر فقط الترشح في انتخابات الرئاسة بل جرى أيضاً، سحب ترخيصه كمحامٍ وتجريده من القدرة على الترافع في المحاكم.
عموماً، فإن علاقة المحامي الشاب مع المحاكم، كانت نشطة ومتواصلة منذ العام 2010. إذ كان ضيفاً دائماً على دوائر القضاء، فكان مدعياً حيناً، ومدعى عليه أحياناً، وشاهداً في عدد من القضايا الجنائية والإدارية والمدنية والتحكيمية، التي يعتبرها نافالني نفسه وأنصاره ذات دوافع سياسية. وفي وقت لاحق حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لصالح نافالني. وإجمالاً، فاز نافالني بست شكاوى ضد السلطات الروسية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بمبلغ إجمالي قدره 225 ألف يورو، لكن هذا المبلغ لم يسدد أبداً.

- صندوق مكافحة الفساد
ومع قطع الطريق أمام نافالني لخوض النشاط السياسي المباشر عبر الترشح في الانتخابات، اتجه السياسي الروسي المعارض إلى وضع آليات لتنشيط تحركاته وكسب أنصار في البلاد، عبر الترويج الواسع لتحقيقات خاصة قام بها صندوق مكافحة الفساد الذي يديره.
وبالفعل، طاولت التحقيقات شخصيات بارزة كلها مقربة من الرئيس الروسي، وكان أوسعها انتشارا التحقيق الذي كشف عن امتلاك رئيس الوزراء السابق وحليف بوتين وشريكه في تبادل المقاعد الرئاسية ديمتري ميدفيديف. ولقد حظي تحقيق مدعوم بصور فيديو ووثائق دلت إلى امتلاك ميدفيديف عقارات فاخرة بنحو أربعين مليون مشاهدة على قناة «يوتيوب» الخاصة بنافالني. ومثل ذلك، وإن بأعداد مشاهدة أقل، تداول ملايين الروس عشرات من التحقيقات المصورة التي كشفت عن حياة الترف للشخصيات السياسية والبرلمانية، وعمليات الفساد التي ترافق نشاط كبار رجال المال والأعمال. وهو الأمر الذي أثار ضده حنق رجال السياسة وكذلك رجال المال والأعمال، ما وسع إلى حد كبير دائرة الغاضبين عليه. وهذا ما يفسر تلميحات بعض الأوساط بعد تعرض نافالني لاستهداف بمادة سامة، بأن الفاعل أو الطرف المحرك للحادثة ليس بالضرورة أن يكون من جهات عليا في روسيا أو من طرف أجهزة الاستخبارات.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.