أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا

«فزاعة الإنترنت» أقلقت أصحاب الملايين وأثارت غضب الكرملين

أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد  إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا
TT

أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا

أليكسي نافالني... من محامٍ يحارب الفساد  إلى زعيم غير متوّج للمعارضة في روسيا

ليس أليكسي نافالني أول معارض روسي يرتبط اسمه بقوة بسلاح كيماوي خفي فتاك، أدخله في غيبوبة طويلة، وكاد يقضي عليه، مفجراً جدلاً واسعاً وعاصفة جديدة في علاقات روسيا مع الغرب. إذ عرفت روسيا قبله الكثير من الحالات المماثلة.
أسماء برزت بقوة وبشكل مفاجئ عندما تعرض أصحابها لملاحقات ومحاولات اغتيال وصفت بأنها من تدبير أجهزة الاستخبارات الخارجية الروسية. بعضها انتهى بأن صمت أصحابها إلى الأبد. وبعضها الآخر اختفى أبطالها في أماكن مجهولة ليقضوا حياتهم بعيدا عن الأضواء بأسماء مستعارة وحياة مستعارة.
غير أن نافالني ليس واحدا من هؤلاء. فهو لا ينتمي إلى مجموعات «حيتان المال» التي راكم أصحابها ثروات خيالية في سنوات انهيار الدولة وتراجع قدراتها، قبل أن يفر بعضهم من البلاد، ويتعرض لملاحقات ومحاولات قصاص. كذلك فهو ليس واحدا من عملاء الأجهزة الخاصة أو الجواسيس الذين اختاروا أن ينشقوا، أو أن يلجأوا إلى الغرب طلبا للحماية. بل هو مجرد محامٍ شاب من عائلة متوسطة، صعد نجمه بقوة في بلاده لأنه اختار أن يسبح عكس التيار.

يصف مناصرو الكرملين أليكسي نافالني بأنه عنصر استفزاز حمل لواء مكافحة الفساد، ليحصل على الشهرة ويتلقى الدعم الخارجي لزعزعة الأوضاع في روسيا. ويضيفون أنه تلاحقه الملفات الجنائية داخل البلاد من كل حدب وصوب، وسبق له أن جرب غالبية مراكز التوقيف التابعة لوزارة الداخلية بسبب إصراره على مدى سنوات على تنظيم احتجاجات ومظاهرات غير مرخصة قانونياً.
وحقاً، سعى الكرملين في غير مناسبة إلى التقليل من شأن نافاني وتحقيره، لدرجة أنه لم يذكر اسمه في أي تصريح رسمي. كذلك تجنب الإشارة إليه بصفته سياسياً أو حقوقياً في تعليقاته، فهو «المدون» الذي ينشر معلومات مضللة تارة، و«منتهك القوانين» أحياناً.
أما بعد حادثة تعرضه للتسمم في مدينة أومسك السيبيرية النائية الهادئة، فإنه غدا «المستفز»، أي صاحب الاستعراض الاستفزازي. ومن ثم، بعد نقله إلى مستشفى في العاصمة الألمانية برلين للعلاج، صار يحمل اسم «نزيل مستشفى برلين» وفقاً لتعليقات الديوان الرئاسي الروسي، وهي التسمية الأكثر رواجاً اليوم في وسائل الإعلام الحكومية. وفي المقابل، رأى أنصار المحامي الشاب فيه زعيماً واعداً لمعارضة مفككة وضعيفة، لكنه رغم تفككها وضعفها، نجح في إثارة قلق واسع بسبب تحقيقاته عن الفساد التي طاولت شخصيات بارزة.
ويتحدث المعارضون عن قدرات ومواهب بارزة، جعلت نافالني قادراً على تحدي السلطات في أكثر من مبارزة، ومكنته من إثبات حضور قوي، حوله إلى عدوٍ لدودٍ للرئيس فلاديمير بوتين.

- بطاقة هوية
ولد أليكسي نافالني في بلدة أدينتسوفا إلى الجنوب من العاصمة الروسية موسكو عام 1976. وأنهى دراسته الجامعية في كلية القانون بجامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو. ثم يواصل في العام التالي دراسته في تخصص جامعي جديد، بأعمال المحاسبة والأوراق المالية، وهو التخصص الذي ساعده كثيراً في إعداد تحقيقات واسعة عن النشاط المالي لكبار المسؤولين الروس.
أيضاً، منذ كان نافالني طالباً في الجامعة، اتجه إلى ممارسة نشاطات مهدت لظهوره في عالم السياسة لاحقاً. إذ أسس مجموعات شبابية، وقاد نشاطات ركزت في غالبيتها على مسألة دعم القطاعات الأقل حظاً، وملاحقة انتهاكات بعض المؤسسات الحكومية.
وفي فترة لاحقة، أقدم المحامي الشاب الذي يدير والداه مشروعاً تجارياً صغيراً لكنه ناجح، على شراء أسهم قليلة في عدد من الشركات الروسية العملاقة، مثل «غازبروم» و«مصرف التجارة الخارجية»، واستغل وجوده كمساهم - على قلة عدد أسهمه - في تسجيل الملاحظات على أداء المكاتب الفرعية للشركات، وآليات تعاملها مع صغار المستثمرين... وهو ما وضعه في مواجهة معها، وأثار ضده الكثير من الاستياء.

- خبرة في التدقيق المالي
لقد شمل نشاط نافالني مجالات عدة، جعلته يراكم خبرات في عمليات التدقيق المالي وأعمال رصد الانتهاكات، فضلا عن تكريس اسمه في أوساط المعارضة كممثل لجيل جديد من المعارضين الشباب. إذ أنه في عام 1998 - 1999 عمل في شركة لتطوير الكفاءات. ومن بين أمور أخرى، كان منخرطا في مراقبة العملات وتشريعات مكافحة الاحتكار، وفي الوقت نفسه بدأ دراسة أعمال الصرف والأوراق المالية في الأكاديمية المالية.
بعدها، عام 2000، أسس المحامي الشاب مع أصدقاء في كلية الحقوق شركة للأوراق المالية امتلك هو 35 في المائة من أسمهما وشغل منصب كبير المحاسبين فيها، إلا أن هذه الشركة أعلنت إفلاسها في وقت لاحق. ولاحقاً، تنقل بين عدة أعمال قبل أن يطرق باب الصحافة عام 2006، كمقدم لبرنامج متخصص في كشف انتهاكات مالية تبثه إذاعة «صدى موسكو»، ذات السياسة التحريرية الانتقادية بصرامة لنهج الرئيس الروسي الداخلي.
أما على صعيد النشاط الاجتماعي – السياسي، فقد انخرط نافالني منذ عام 2004 بتأسيس ما سمي بـ«لجنة حماية سكان موسكو»، وهي حركة على مستوى المدينة لمناهضي الفساد تخصصت في رصد عمليات انتهاك حقوق المواطنين أثناء حركة البناء والإنشاءات الكبرى في موسكو وعلى أطرافها. وفي العام التالي ساهم في تأسيس «حركة الشباب» التي أطلقت مشروع «الشرطة مع الشعب». وحتى العام 2006 عمل في مؤسسات إعلامية كمنسق لمشروع المناظرات السياسية، قبل أن يغدو في العام التالي أحد مؤسسي «الحركة الشعبية» التي وضعت برنامجا لتكافؤ الفرص في النشاط السياسي. ومن ثم، عام 2008 أسس مجموعة «اتحاد مساهمي الأقلية»، التي تعمل على حماية حقوق المستثمرين من القطاع الخاص.

- في الميدان السياسي
في هذه الأثناء، انخرط نافالني لبعض الوقت في نشاط حزب «يابلوكو» الليبرالي اليميني. إلا أنه غادر صفوفه إثر أزمة تعلقت بمطالبات لمؤسس الحزب وقائده التاريخي غريغوري يافلينسكي بالاستقالة من رئاسة الحزب وإفساح المجال أمام جيل جديد من السياسيين. وبالمناسبة، فإن هذا الحزب رفع ضد نافالني قضية جنائية بسبب هذه الحادثة.
وبعد ذلك ساهم في تأسيس حركة «نارود» (الشعب) التي شكلت الجسم السياسي الأساسي له، وسعى من خلالها عام 2008، لإنشاء تجمع واسع لقوى المعارضة حمل اسم «الحركة الوطنية الروسية». وفي تلك الحقبة برزت الميول القومية في نشاطات نافالني السياسية، إذ أعلن ذات يوم أن «القومية السياسية الجديدة» حركة ديمقراطية ستمنح فيها مائة نقطة أمام الليبراليين السيئي السمعة، وأكد أن القومية «يجب أن تصبح جوهر النظام السياسي الروسي». وأولى، كذلك، في إطار هذا الميل نحو الفكر القومي أهمية كبيرة لسياسة الهجرة.

- توجهات قومية صريحة
وحقاً، قال نافالني في إحدى المناسبات «فكرتي هي أنه لا داعي لحظر هذا الموضوع. يعود فشل حركتنا الديمقراطية الليبرالية إلى حقيقة أنهم اعتبروا من حيث المبدأ بعض المواضيع خطرة للمناقشة، بما في ذلك موضوع الصراعات القومية بين الأعراق. في غضون ذلك، هذه أجندة حقيقية. يجب الاعتراف بأن المهاجرين، بما في ذلك أبناء القوقاز، غالباً ما يذهبون إلى روسيا بقيمهم الخاصة جداً. لقد تغلب الروس على هذا المستوى من التحيز منذ زمن بعيد. على سبيل المثال، في الشيشان يطلق النار على النساء اللواتي يتجولن دون الحجاب من مسدس كرات الطلاء ثم يقول (الزعيم الشيشاني) رمضان قديروف: أحسنتم يا شباب، أنتم أبناء حقيقيون للشعب الشيشاني! ثم يأتي هؤلاء الشيشان إلى موسكو. لدي هنا زوجة وابنة. وأنا لا أحب ذلك عندما يضع الأشخاص الذين يقولون: إنه يجب إطلاق النار على النساء بمسدس كرات الطلاء قواعدهم الخاصة هنا». ولكن، في وقت لاحق، تخلى نافالني عن هذه التوجهات القومية، - على الأقل في خطاباته العلنية – إلا أنه لم يجر أبداً مراجعة كاملة لتجربته في العمل مع مجموعات ذات توجه قومي.
عموماً كانت تلك التجربة المصغرة، لأداء نافالني في وقت لاحق. لكنه قبل أن يطلق مشروعه الكبير الذي حمل اسم «صندوق مكافحة الفساد»، خاض تجربة العمل السياسي الميداني المباشر، من خلال تنظيم سلسلة أعمال احتجاجية كان عنوانها مكافحة الفساد. وبرز اسمه بقوة فيها في العامين 2011و2012 عندما شهدت المدن الروسية أوسع احتجاجات تزامنت مع عودة الرئيس فلاديمير بوتين إلى الكرملين رئيساً لولاية جديدة. وفي العام التالي، قرر نافالني أن يتحدى ماكينة الانتخابات، ليخوض أول معركة سياسية كبرى، كانت خاسرة. إذ رشح نفسه لرئاسة حكومة موسكو، أمام مرشح حزب السلطة «روسيا الموحدة» سيرغي سوبيانين.
مع هذا، ومع أن نافالني خسر في تلك الانتخابات، فإنه حقق مفاجأة ما كانت لتخطر على بال أحد، عندما حصد أصوات ثلث الناخبين في العاصمة الروسية، ما أدخله دوائر المنافسة السياسية كخصم جدي له وزنه وأنصاره، ويستطيع تحقيق مفاجآت.

- حزب «روسيا المستقبل»
فتح هذا «الإنجاز» شهية نافالني، وبالتزامن مع بدء محاولات لتنظيم صفوف المعارضة، وتركيز الجهد على استمالة الفئات الشابة، أسس في العام ذاته حزباً سياسياً حمل اسم «روسيا المستقبل». وخاض على الأثر، جولات حوار وسجالات كثيرة لتوحيد أحزاب المعارضة الصغيرة إلا أن محاولاته لم تؤت ثمارا. ومع انشغاله في الفترة اللاحقة بالمشاركة في أعمال احتجاجية لم تعد تقتصر على موسكو، بل باتت تمتد إلى مدن ومقاطعات نائية، قرر عام 2016 أن يضرب ضربته الكبرى، فأعلن عزمه الترشح لمنصب الرئاسة منافساً للرئيس بوتين الذي كانت ولايته الرئاسية الثالثة تقترب من نهايتها عام 2018.
ووفقاً لهيئة تحرير صحيفة «فيدوموستي» المتخصصة في مجال المال والأعمال، فإن نافالني كان في الواقع «السياسي الوحيد الذي أجرى حملة انتخابية كاملة عام 2017». ومع ذلك في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أي قبل ثلاثة شهور من حلول موعد التصويت، وقبل أيام معدودة على إغلاق الباب أمام الترشح للمنافسة على المنصب، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية رفض تسجيله بسبب إدانته في قضية جنائية رفعت ضده.
نافالني نشر لاحقاً على مواقعه تفاصيل كاملة تبرئ ذمته المالية في القضية التي رفعتها شركة حكومية تتهمه بتبديد واختلاس عندما كان مديرا لأحد فروعها، لكن هذه القضية تم البت بحكم نهائي فيها في أول جلسة للمحكمة. وكانت النتيجة أن نافالني لم يخسر فقط الترشح في انتخابات الرئاسة بل جرى أيضاً، سحب ترخيصه كمحامٍ وتجريده من القدرة على الترافع في المحاكم.
عموماً، فإن علاقة المحامي الشاب مع المحاكم، كانت نشطة ومتواصلة منذ العام 2010. إذ كان ضيفاً دائماً على دوائر القضاء، فكان مدعياً حيناً، ومدعى عليه أحياناً، وشاهداً في عدد من القضايا الجنائية والإدارية والمدنية والتحكيمية، التي يعتبرها نافالني نفسه وأنصاره ذات دوافع سياسية. وفي وقت لاحق حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لصالح نافالني. وإجمالاً، فاز نافالني بست شكاوى ضد السلطات الروسية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بمبلغ إجمالي قدره 225 ألف يورو، لكن هذا المبلغ لم يسدد أبداً.

- صندوق مكافحة الفساد
ومع قطع الطريق أمام نافالني لخوض النشاط السياسي المباشر عبر الترشح في الانتخابات، اتجه السياسي الروسي المعارض إلى وضع آليات لتنشيط تحركاته وكسب أنصار في البلاد، عبر الترويج الواسع لتحقيقات خاصة قام بها صندوق مكافحة الفساد الذي يديره.
وبالفعل، طاولت التحقيقات شخصيات بارزة كلها مقربة من الرئيس الروسي، وكان أوسعها انتشارا التحقيق الذي كشف عن امتلاك رئيس الوزراء السابق وحليف بوتين وشريكه في تبادل المقاعد الرئاسية ديمتري ميدفيديف. ولقد حظي تحقيق مدعوم بصور فيديو ووثائق دلت إلى امتلاك ميدفيديف عقارات فاخرة بنحو أربعين مليون مشاهدة على قناة «يوتيوب» الخاصة بنافالني. ومثل ذلك، وإن بأعداد مشاهدة أقل، تداول ملايين الروس عشرات من التحقيقات المصورة التي كشفت عن حياة الترف للشخصيات السياسية والبرلمانية، وعمليات الفساد التي ترافق نشاط كبار رجال المال والأعمال. وهو الأمر الذي أثار ضده حنق رجال السياسة وكذلك رجال المال والأعمال، ما وسع إلى حد كبير دائرة الغاضبين عليه. وهذا ما يفسر تلميحات بعض الأوساط بعد تعرض نافالني لاستهداف بمادة سامة، بأن الفاعل أو الطرف المحرك للحادثة ليس بالضرورة أن يكون من جهات عليا في روسيا أو من طرف أجهزة الاستخبارات.



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.