العراق: السوداني يمسك رمّانتي بايدن وإردوغان بيد واحدة

وسط تراجع فرص خصومه في الحد من طموحاته

السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)
السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)
TT

العراق: السوداني يمسك رمّانتي بايدن وإردوغان بيد واحدة

السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)
السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)

بعد يوم من عودة رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، إلى بغداد، بعد زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية، استغرقت أسبوعاً، زار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان العاصمة العراقية. وبينما وصفت زيارة السوداني إلى واشنطن، وهي الأولى له منذ توليه منصبه أواخر عام 2022 بـ«الناجحة»، وصفت بـ«التاريخية» الزيارة التي قام بها الرئيس التركي، التي هي الثانية له منذ 13 سنة إلى العراق. وللعلم، كان رئيس الوزراء العراقي قد التقى في واشنطن الرئيس الأميركي جو بايدن، في وقت يواجه خصوماً واضحين وآخرين غامضين في الداخل وسط تأييد سياسي وشعبي كبيرين. ومعلوم أن بايدن يخوض معركة انتخابية مصيرية بالنسبة له ضد خصمه العنيد الرئيس السابق دونالد ترمب. أما فيما يتعلق بالرئيس إردوغان، فقد التقاه السوداني ورفع يده فيما بات أقوى سلاح يواجه به خصومه، وبعضهم من القوى التي تملك السلاح وتستخدمه أحياناً ضد الدولة، وهو مشروع «طريق التنمية».

تبدو رهانات كل من رئيس وزراء العراق محمد شيّاع السوداني، وضيفه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مختلفةً بشأن «طريق التنمية» الذي يسعى من خلاله الأول لتعزيز موقفه أمام من يلوح أمامه بين فترة وأخرى بورقة الانتخابات المبكرة. وفي المقابل، فإن الأمر بالنسبة لإردوغان جزءٌ من إرث سياسي يريد أن يبقيه لحزبه - حزب «العدالة والتنمية» - أمام خصومه من أحزاب المعارضة، بالأخص بعدما خسر أمامهم الانتخابات المحلية.

ووفقاً لهذه المعادلة الثلاثية، يبدو السوداني هو الرابح الأكبر من زيارته إلى واشنطن التي يرى المراقبون أنها وإن كانت لا تضيف الكثير إلى رصيد بايدن، فإنها حتماً تأتي بفائدة لا شك فيها إلى رصيد السوداني. كذلك، وفق المراقبين، فإن زيارة إردوغان البغدادية بالكاد تجعل كفته السياسية أمام خصومه المحليين راجحة حتى بعد توقيعه في بغداد على مشروع «طريق التنمية»، بعكس النفع الكبير المرتقب للسوداني في الداخل العراقي، لا سيما أن كثيرين يعدون «طريق التنمية» المشروع الأكبر بعد مشاريع مجلس الإعمار التي قادها في خمسينات القرن الماضي رئيس وزراء العراق (آنذاك) نوري السعيد.

تأييد شبه كامل من السنّة والكرد

المفارقة اللافتة أن الحراك السياسي والتنموي الذي يقوده السوداني منذ توليه السلطة في العراق، قبل نحو سنة ونصف السنة، يحظى بتأييد يكاد يكون كاملاً من قبل السنة والكرد، لكنه ما عاد يحظى بتأييد كامل من قبل القوى السياسية الشيعية. وما يستحق الذكر هنا أن القوى الشيعية، تحديداً قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، التي كانت قد رشحته للمنصب، رغم أنها تبدو ظاهرياً داعمةً للسوداني، بما في ذلك زيارته إلى الولايات المتحدة - ولقد أصدرت بياناً بذلك - فإنها من الناحية العملية تبدو في وضع لا تُحسد عليه لجهة الخلافات في ما بين بعض أطرافها.

في المقابل، على الرغم من المطالب التي يعبّر عنها السنة والكرد، سواءً ما يخص عمل الحكومة أو المطالب التي تخص الشريك الشيعي في البرلمان أو ضمن «ائتلاف إدارة الدولة»، تظل المشكلة الحقيقية داخل الوسط الشيعي مختلفة وأكثر تعقيداً مما تبدو عليه ظاهراً. ونعم، كان هناك خلاف داخل البيت السني بشأن منصب رئيس البرلمان الشاغر حتى الآن. وأيضاً هناك الخلاف الكردي - الكردي بين الحزبين الرئيسين الذي يتركز اليوم بالدرجة الأولى على موضوع انتخابات الإقليم.

ولكن في ما يتعلق بالمكون الشيعي، في هذه الأثناء، فإن قوى «الإطار التنسيقي» تظهر نفسها بأنها موحدة داخل البرلمان بوصفها الغالبية... إلا أنها في واقع الأمر تتكون من ثلاث قوى تتنافس مرة وتتصارع مرة وهي: «الإطار التنسيقي» نفسه الذي يضم القوى والأحزاب المشاركة في البرلمان والحكومة، و«التيار الصدري» المنسحب من البرلمان وغير المشارك في الحكومة حالياً، والفصائل المسلحة التي لدى بعضها أجنحة في «هيئة الحشد الشعبي»... الذي هو مؤسسة أمنية رسمية لكنها تعلن دائماً أنها ليست جزءاً من العملية السياسية الحالية، وإن عملها في العراق ذو بُعد عقائدي.

من لقاء السوداني في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي بايدن (د ب أ)

حصاد السوداني

في أي حال، اليوم، بعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على تولي السوداني السلطة وتبنيه مصطلح «الدبلوماسية المنتجة»، يبدو رئيس الوزراء العراقي في وضع مريح لجهة ما بدا أنه حصادٌ لدبلوماسيته المنتجة. إذ زيارته للولايات المتحدة جاءت في أعقاب جدل حاد مع التحالف الدولي والولايات المتحدة نفسها بشأن توصيف التحالف الدولي وانتقال العلاقة معه إلى علاقة ثنائية.

ولقد كان الطلب العراقي بهذا الخصوص قد سبق زيارة السوداني بأكثر من شهر ونصف الشهر، حتى أن كثيرين لا سيما من خصوم السوداني، راهنوا على أن الزيارة لن تتم. ففي شهر فبراير (شباط) الماضي أعلنت الخارجية العراقية استئناف عمل اللجنة الثنائية بين العراق والتحالف الدولي، التي كان العراق قد أعلن عنها في بيان رسمي على لسان الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى الزيدي ووزارة الخارجية.

وكان من أول مؤشرات ذلك على أرض الواقع بدء هدنة بين واشنطن من جهة والفصائل المسلحة من جهة أخرى، وبتأثير من السوداني. وهو ما أعطته «كتائب حزب الله» مسمى «الدفاع السلبي» عقب بيانها الخاص بتعليق عملياتها قبل اغتيال القيادي فيها أبو باقر الساعدي. وفي سياق بدء عمل اللجنة العراقية - الأميركية لتحديد شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن بعد نهاية التحالف الدولي، أكد الدكتور حسين علاوي، مستشار رئيس الوزراء، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف عمل اللجنة الثنائية العراقية - الأميركية مهمٌ جداً وخطوة فعالة من الحكومة العراقية، لوضع الجدول الزمني للانسحاب المنظم الذي قرّره رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في الخامس من يناير (كانون الثاني) 2024 لإنهاء مهام التحالف الدولي، ونقل العلاقات العراقية مع دول التحالف الدولي إلى علاقات طبيعية ثنائية، والعودة إلى مرحلة ما قبل سقوط الموصل للعلاقات المتكاملة وفقاً للمصالح الاستراتيجية الوطنية العراقية كمحدد استراتيجي لهذه العلاقات».

وأضاف علاوي أنه «بالإضافة إلى ذلك هناك تقييم التهديدات ومستواها التأثيري على مسرح العمليات التشغيلي، وتقييم قدرات التنظيم الإرهابي (داعش) في العالم وحجم تأثيره في العراق... إذ إن إنهاء مهام التحالف الدولي سيكون مدخلاً استراتيجياً لانتقال البلاد نحو الاستقرار والتقدم والازدهار الاقتصادي، بدلاً من العسكرة والتعبئة لمكافحة الإرهاب، وبذلك نغلق فصلاً من التعاون مع التحالف الدولي امتد لعشر سنوات».

من جهة ثانية، قال علاوي إن «العراق اليوم أفضل بقابلياته القتالية واستعداداته العسكرية، لبناء القدرات وإعادة التنظيم للقوات المسلحة... في مرحلة بناء السلام التي أعطت خبرةً وتمرساً كبيراً لمهارات القوات المسلحة العراقية في القتال وفرض القانون ومواجهة الإرهاب والتطرف العنيف». وأشار إلى أن «النظر إلى الدولة الطبيعية في الوضع العراقي... أمر مهم جداً في هذه اللحظة التاريخية، التي ينتظرها الشعب العراقي من أجل التركيز على بناء مصدّات أمنية فعالة للسيطرة على مكامن الإرهاب وتفكيكها وتفكيك البؤر الاستراتيجية والعقد الجغرافية التي تحتضن فلول التنظيم الإرهابي (داعش)». ولفت إلى أنه مع كل محاولات الفصائل المسلحة ثني السوداني عن استكمال إجراءاته في تنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة، أو على صعيد فرض الهدنة مع الفصائل، فإن واشنطن بدتْ هي الأخرى جادة في التعامل مع تلك الفصائل بما لا يؤدي الى إفساد مهمتها في العراق والمنطقة.

واشنطن جادة

أما الدكتور عصام فيلي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، فقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الواضح أن الولايات المتحدة جادة في توجيه الضربات، لكن هذا الأمر يخضع في النهاية لعدة آراء داخل الإدارة الأميركية. إذ هناك من يَرى أن القصف الذي حصل للموقع الحدودي الأردني ـ السوري نفذه وكلاء إيران في المنطقة، وبالتالي، لا ينبغي أن تكون الضربة في العمق الإيراني كجزء من رغبة أميركية في أن لا يتوسع نطاق المواجهة».

ورداً على سؤال بشأن موقف الحكومة العراقية، ذكر فيلي أن «الحكومة العراقية، في إطار المعالجة، كانت قد رتّبت الأمر في ما يتعلق بالتحالف الدولي، وعبر اللجنة الثنائية التي جرى تفعيلها. لكن من ضمن قوات التحالف الدولي هناك الولايات المتحدة الأميركية التي لدى العراق معها اتفاقية، وهي التي تنص على إبلاغ أحد الطرفين في حال أراد أحدهما إنهاء الاتفاقية. ولذلك تم تشكيل اللجنة مع أن الضربة وقعت بعد 24 ساعة من بدء عمل اللجنة».

وبشأن تنظيم العلاقة بين واشنطن وبغداد، يرى فيلي أن «إعادة تفعيل عمل اللجنة الثنائية العليا بين العراق والولايات المتحدة الأميركية يعني أن الحكومة سائرة في نهجها في معالجة القضايا العالقة بين العراق وأميركا عبر آليات الحوار... في محاولة للتخفيف من حدة الضغط الذي تتعرض له الحكومة، بخاصة أن هذا الموقف جاء بناءً على مواقف القوى السياسية، بالذات (قوى الإطار التنسيقي) الشيعي التي ترى أن من الضروري مراعاة مصلحة العراق، بحيث تأخذ مساراً رسمياً بطريقة لا تثير حفيظة الأطراف الأخرى».

ثم تابع شارحاً: «ضمن هذا (الإطار)، أرى أن هذا النهج يسير بطريقة معقولة، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المطالب الرافضة للوجود الأميركي في العراق، والمطالبة بضرورة الانسحاب السريع. وفي مقابل ذلك هناك أطراف تريد بقاء القوات الأميركية، هم الكرد والسنة، الذين يرون أن أي محاولة للمعالجة السريعة غير البناءة يمكن أن تجر العراق إلى مساحات أخرى على الأصعدة المختلفة، في مقدمها البعد الاقتصادي والملفات الأخرى التي تحتاج إلى معالجات هادئة من دون فرض الإرادات من قبل هذا الطرف أو ذاك».

قوى «الإطار التنسيقي» تُظهر نفسها بأنها موحدةٌ داخل البرلمان بوصفها الغالبية...

إلا أنها في واقع الأمر تتكون من ثلاث قوى تتنافس مرة وتتصارع مرة



إنهاء مهام التحالف

!في السياق نفسه، عدَّ الدكتور إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخيارات أمام صانع القرار السياسي في العراق لإعادة التفاوض مع الأميركيين يمكن أن تبدأ بإنهاء مهام التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق. وربما يكون هذا التفاوض هو البداية للانطلاق نحو إعادة هندسة العلاقات بين واشنطن وبغداد». وأردف: «لكن الحكومة العراقية، حتى الآن، لا تملك رؤيةً واضحةً بشأن الاتجاه الذي يمكن أن تكون عليه العلاقات بين العراق وأميركا... هل هي علاقة صداقة أم شراكة استراتيجية أو تحالف، وإشكالية تحديد أي توصيف من هذه التوصيفات... هل هو من قرار الحكومة أم بعض الزعامات السياسية التي تسوّق نفسها على أنها معادية للأميركيين وترفض العلاقة معها بأي شكل كانت؟... هذه الإشكالية التي لم تتضح خيوط حلها لدى حكومة السوداني حتى الآن».

أما بشأن موضوع العقوبات على المصارف، فيرى العنبر أن «الخزانة الأميركية واضحة بشأن هذا الموضوع. إذ تعده مرتبطاً بتهريب الدولار إلى دول تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات. وعجز حكومة بغداد، تحديداً البنك المركزي العراقي، عن معالجة هذه المشكلة، هو السبب في العقوبات. ومن ثم فهذا الموضوع على امتداد أكثر من سنة هي عمر الحكومة، فشلت الحكومة في معالجته. وهذا الفشل في المعالجة لا يعطيها قوة في التفاوض بشأن هذا الموضوع». ومن ثم أوضح الأكاديمي العراقي «أن حكومة السوداني ممكن أن تنجح في إعادة رسم ملامح العلاقة مع واشنطن إذا تمكنت من إقناعهم بنقل العلاقة مع واشنطن من الجانب الأمني إلى الشراكة الاقتصادية».

في هذه الأثناء، ما بين رحلة السوداني إلى واشنطن وبين زيارة إردوغان الى بغداد، يبدو «حصاد» محمد شيّاع السوداني مستمراً لجهة ترسيخ أقدامه أمام خصومه وتقوية موقفه بالتزامن مع ما بات يحظى به من تأييد شعبي. ولكن في حين تمكن السوداني في واشنطن، خلال زيارته التي استغرقت 6 أيام، من حسم الكثير من النقاط العالقة بين البلدين، والتوقيع على عشرات الاتفاقات مع الحكومة الأميركية على صعيد عقود التسليح ومع الشركات الأميركية بشأن العديد من الميادين والفرص الاستثمارية في العراق، فإن الملفات التي كان حملها الرئيس التركي معه إلى بغداد ملفات مختلف عليها بين مختلف الأوساط العراقية.والواقع، أن المتغير المهم على صعيد العلاقات العراقية - الأميركية هو الموقف من الفصائل المسلحة التي تنادي بانسحاب كامل لما تبقّى من قوات أميركية في العراق تصنفهم بغداد بأنهم «مستشارون». وفي المقابل، المتغير الأهم في العلاقة بين بغداد وأنقرة هو الموقف من «حزب العمال الكردستاني» المختلف على توصيفه في العراق.

حقل كورمور للغاز بمحافظة السليمانية في كردستان العراق (رويترز)

الظاهر والخفي... في علاقات بغداد مع واشنطن

قبل أن تحط طائرة رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني في قاعدة إندروز الجوية بولاية ماريلاند الأميركية، كانت كل القوى السياسية والبرلمانية العراقية أعلنت تأييدها، ليس للزيارة وحسب... بل أيضاً لمخرجات تلك الزيارة قبل أن يبدأ رئيس الوزراء مباحثاته في اليوم التالي مع المسؤولين الأميركيين. ذلك أن البرلمان العراقي، المكوّن من 329 نائباً، أصدر بياناً أعلن فيه تأييده لزيارة السوداني. وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعي أصدرت بياناً أيّدت فيه مقدماً الزيارة ومخرجاتها. وأيضاً «ائتلاف إدارة الدولة»، الذي هو الكتلة البرلمانية الأكبر الداعمة للحكومة، أصدر هو الآخر بيان تأييد مما يعني أن السوداني وقبيل لقائه مع الرئيس الأميركي جو بايدن بات يحظى بإجماع عراقي شامل. إلا أن ما خفي من بعض الأمور كان مختلفاً عن ظاهرها، بما في ذلك هدنة الفصائل المسلحة مع القوات الأميركية، وما تعرّض له حقل كورمور الغازي في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق من قصف بطائرة مسيّرة بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى بغداد بأيام قلائل. إذ وضع هذا الأمر مزيداً من علامات الاستفهام حيال ما يجري. وفي حين بدت عملية قصف حقل كورمور الغازي وكأنها جزءٌ من مساعي تقويض الأمن، فإنها من جهة أخرى تبدو جزءاً من عملية تصفية الحسابات في الداخل العراقي بين عدة أطراف تتداخل فيها المصالح وتتشابك مع أطراف خارجية، لا سيما تركيا وإيران، بخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة التصريحات والتصريحات المضادة لبعض الأطراف... من بينها أطراف كردية. ولكن ما أعلنه رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني خلال اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» الذي عُقد في القصر الحكومي ببغداد، والذي خصّص لمناقشة زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن وزيارة إردوغان إلى بغداد، هو أن الأجهزة الأمنية العراقية توصلت إلى خيوط أولية بشأن الجهة المتورطة في قصف الحقل الغازي في السليمانية. ومع أن السوداني ترك النهايات مفتوحةً بانتظار ما يمكن أن تسفر عنه النتائج، فإن ما أعلنه بدا رسالةً مبطنةً إلى الجهة المتورطة بالقصف، مضمونها أن الدولة العراقية تعرف هوية هذه الجهة بصرف النظر عن الإجراءات التي يمكن اتخاذها ضدها الآن أو في المستقبل.


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.