العراق: السوداني يمسك رمّانتي بايدن وإردوغان بيد واحدة

وسط تراجع فرص خصومه في الحد من طموحاته

السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)
السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)
TT

العراق: السوداني يمسك رمّانتي بايدن وإردوغان بيد واحدة

السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)
السوداني بصافح ضيفه الرئيس التركي إردغان في بغداد (آ ب)

بعد يوم من عودة رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، إلى بغداد، بعد زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية، استغرقت أسبوعاً، زار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان العاصمة العراقية. وبينما وصفت زيارة السوداني إلى واشنطن، وهي الأولى له منذ توليه منصبه أواخر عام 2022 بـ«الناجحة»، وصفت بـ«التاريخية» الزيارة التي قام بها الرئيس التركي، التي هي الثانية له منذ 13 سنة إلى العراق. وللعلم، كان رئيس الوزراء العراقي قد التقى في واشنطن الرئيس الأميركي جو بايدن، في وقت يواجه خصوماً واضحين وآخرين غامضين في الداخل وسط تأييد سياسي وشعبي كبيرين. ومعلوم أن بايدن يخوض معركة انتخابية مصيرية بالنسبة له ضد خصمه العنيد الرئيس السابق دونالد ترمب. أما فيما يتعلق بالرئيس إردوغان، فقد التقاه السوداني ورفع يده فيما بات أقوى سلاح يواجه به خصومه، وبعضهم من القوى التي تملك السلاح وتستخدمه أحياناً ضد الدولة، وهو مشروع «طريق التنمية».

تبدو رهانات كل من رئيس وزراء العراق محمد شيّاع السوداني، وضيفه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مختلفةً بشأن «طريق التنمية» الذي يسعى من خلاله الأول لتعزيز موقفه أمام من يلوح أمامه بين فترة وأخرى بورقة الانتخابات المبكرة. وفي المقابل، فإن الأمر بالنسبة لإردوغان جزءٌ من إرث سياسي يريد أن يبقيه لحزبه - حزب «العدالة والتنمية» - أمام خصومه من أحزاب المعارضة، بالأخص بعدما خسر أمامهم الانتخابات المحلية.

ووفقاً لهذه المعادلة الثلاثية، يبدو السوداني هو الرابح الأكبر من زيارته إلى واشنطن التي يرى المراقبون أنها وإن كانت لا تضيف الكثير إلى رصيد بايدن، فإنها حتماً تأتي بفائدة لا شك فيها إلى رصيد السوداني. كذلك، وفق المراقبين، فإن زيارة إردوغان البغدادية بالكاد تجعل كفته السياسية أمام خصومه المحليين راجحة حتى بعد توقيعه في بغداد على مشروع «طريق التنمية»، بعكس النفع الكبير المرتقب للسوداني في الداخل العراقي، لا سيما أن كثيرين يعدون «طريق التنمية» المشروع الأكبر بعد مشاريع مجلس الإعمار التي قادها في خمسينات القرن الماضي رئيس وزراء العراق (آنذاك) نوري السعيد.

تأييد شبه كامل من السنّة والكرد

المفارقة اللافتة أن الحراك السياسي والتنموي الذي يقوده السوداني منذ توليه السلطة في العراق، قبل نحو سنة ونصف السنة، يحظى بتأييد يكاد يكون كاملاً من قبل السنة والكرد، لكنه ما عاد يحظى بتأييد كامل من قبل القوى السياسية الشيعية. وما يستحق الذكر هنا أن القوى الشيعية، تحديداً قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، التي كانت قد رشحته للمنصب، رغم أنها تبدو ظاهرياً داعمةً للسوداني، بما في ذلك زيارته إلى الولايات المتحدة - ولقد أصدرت بياناً بذلك - فإنها من الناحية العملية تبدو في وضع لا تُحسد عليه لجهة الخلافات في ما بين بعض أطرافها.

في المقابل، على الرغم من المطالب التي يعبّر عنها السنة والكرد، سواءً ما يخص عمل الحكومة أو المطالب التي تخص الشريك الشيعي في البرلمان أو ضمن «ائتلاف إدارة الدولة»، تظل المشكلة الحقيقية داخل الوسط الشيعي مختلفة وأكثر تعقيداً مما تبدو عليه ظاهراً. ونعم، كان هناك خلاف داخل البيت السني بشأن منصب رئيس البرلمان الشاغر حتى الآن. وأيضاً هناك الخلاف الكردي - الكردي بين الحزبين الرئيسين الذي يتركز اليوم بالدرجة الأولى على موضوع انتخابات الإقليم.

ولكن في ما يتعلق بالمكون الشيعي، في هذه الأثناء، فإن قوى «الإطار التنسيقي» تظهر نفسها بأنها موحدة داخل البرلمان بوصفها الغالبية... إلا أنها في واقع الأمر تتكون من ثلاث قوى تتنافس مرة وتتصارع مرة وهي: «الإطار التنسيقي» نفسه الذي يضم القوى والأحزاب المشاركة في البرلمان والحكومة، و«التيار الصدري» المنسحب من البرلمان وغير المشارك في الحكومة حالياً، والفصائل المسلحة التي لدى بعضها أجنحة في «هيئة الحشد الشعبي»... الذي هو مؤسسة أمنية رسمية لكنها تعلن دائماً أنها ليست جزءاً من العملية السياسية الحالية، وإن عملها في العراق ذو بُعد عقائدي.

من لقاء السوداني في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي بايدن (د ب أ)

حصاد السوداني

في أي حال، اليوم، بعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على تولي السوداني السلطة وتبنيه مصطلح «الدبلوماسية المنتجة»، يبدو رئيس الوزراء العراقي في وضع مريح لجهة ما بدا أنه حصادٌ لدبلوماسيته المنتجة. إذ زيارته للولايات المتحدة جاءت في أعقاب جدل حاد مع التحالف الدولي والولايات المتحدة نفسها بشأن توصيف التحالف الدولي وانتقال العلاقة معه إلى علاقة ثنائية.

ولقد كان الطلب العراقي بهذا الخصوص قد سبق زيارة السوداني بأكثر من شهر ونصف الشهر، حتى أن كثيرين لا سيما من خصوم السوداني، راهنوا على أن الزيارة لن تتم. ففي شهر فبراير (شباط) الماضي أعلنت الخارجية العراقية استئناف عمل اللجنة الثنائية بين العراق والتحالف الدولي، التي كان العراق قد أعلن عنها في بيان رسمي على لسان الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى الزيدي ووزارة الخارجية.

وكان من أول مؤشرات ذلك على أرض الواقع بدء هدنة بين واشنطن من جهة والفصائل المسلحة من جهة أخرى، وبتأثير من السوداني. وهو ما أعطته «كتائب حزب الله» مسمى «الدفاع السلبي» عقب بيانها الخاص بتعليق عملياتها قبل اغتيال القيادي فيها أبو باقر الساعدي. وفي سياق بدء عمل اللجنة العراقية - الأميركية لتحديد شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن بعد نهاية التحالف الدولي، أكد الدكتور حسين علاوي، مستشار رئيس الوزراء، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف عمل اللجنة الثنائية العراقية - الأميركية مهمٌ جداً وخطوة فعالة من الحكومة العراقية، لوضع الجدول الزمني للانسحاب المنظم الذي قرّره رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في الخامس من يناير (كانون الثاني) 2024 لإنهاء مهام التحالف الدولي، ونقل العلاقات العراقية مع دول التحالف الدولي إلى علاقات طبيعية ثنائية، والعودة إلى مرحلة ما قبل سقوط الموصل للعلاقات المتكاملة وفقاً للمصالح الاستراتيجية الوطنية العراقية كمحدد استراتيجي لهذه العلاقات».

وأضاف علاوي أنه «بالإضافة إلى ذلك هناك تقييم التهديدات ومستواها التأثيري على مسرح العمليات التشغيلي، وتقييم قدرات التنظيم الإرهابي (داعش) في العالم وحجم تأثيره في العراق... إذ إن إنهاء مهام التحالف الدولي سيكون مدخلاً استراتيجياً لانتقال البلاد نحو الاستقرار والتقدم والازدهار الاقتصادي، بدلاً من العسكرة والتعبئة لمكافحة الإرهاب، وبذلك نغلق فصلاً من التعاون مع التحالف الدولي امتد لعشر سنوات».

من جهة ثانية، قال علاوي إن «العراق اليوم أفضل بقابلياته القتالية واستعداداته العسكرية، لبناء القدرات وإعادة التنظيم للقوات المسلحة... في مرحلة بناء السلام التي أعطت خبرةً وتمرساً كبيراً لمهارات القوات المسلحة العراقية في القتال وفرض القانون ومواجهة الإرهاب والتطرف العنيف». وأشار إلى أن «النظر إلى الدولة الطبيعية في الوضع العراقي... أمر مهم جداً في هذه اللحظة التاريخية، التي ينتظرها الشعب العراقي من أجل التركيز على بناء مصدّات أمنية فعالة للسيطرة على مكامن الإرهاب وتفكيكها وتفكيك البؤر الاستراتيجية والعقد الجغرافية التي تحتضن فلول التنظيم الإرهابي (داعش)». ولفت إلى أنه مع كل محاولات الفصائل المسلحة ثني السوداني عن استكمال إجراءاته في تنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة، أو على صعيد فرض الهدنة مع الفصائل، فإن واشنطن بدتْ هي الأخرى جادة في التعامل مع تلك الفصائل بما لا يؤدي الى إفساد مهمتها في العراق والمنطقة.

واشنطن جادة

أما الدكتور عصام فيلي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، فقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الواضح أن الولايات المتحدة جادة في توجيه الضربات، لكن هذا الأمر يخضع في النهاية لعدة آراء داخل الإدارة الأميركية. إذ هناك من يَرى أن القصف الذي حصل للموقع الحدودي الأردني ـ السوري نفذه وكلاء إيران في المنطقة، وبالتالي، لا ينبغي أن تكون الضربة في العمق الإيراني كجزء من رغبة أميركية في أن لا يتوسع نطاق المواجهة».

ورداً على سؤال بشأن موقف الحكومة العراقية، ذكر فيلي أن «الحكومة العراقية، في إطار المعالجة، كانت قد رتّبت الأمر في ما يتعلق بالتحالف الدولي، وعبر اللجنة الثنائية التي جرى تفعيلها. لكن من ضمن قوات التحالف الدولي هناك الولايات المتحدة الأميركية التي لدى العراق معها اتفاقية، وهي التي تنص على إبلاغ أحد الطرفين في حال أراد أحدهما إنهاء الاتفاقية. ولذلك تم تشكيل اللجنة مع أن الضربة وقعت بعد 24 ساعة من بدء عمل اللجنة».

وبشأن تنظيم العلاقة بين واشنطن وبغداد، يرى فيلي أن «إعادة تفعيل عمل اللجنة الثنائية العليا بين العراق والولايات المتحدة الأميركية يعني أن الحكومة سائرة في نهجها في معالجة القضايا العالقة بين العراق وأميركا عبر آليات الحوار... في محاولة للتخفيف من حدة الضغط الذي تتعرض له الحكومة، بخاصة أن هذا الموقف جاء بناءً على مواقف القوى السياسية، بالذات (قوى الإطار التنسيقي) الشيعي التي ترى أن من الضروري مراعاة مصلحة العراق، بحيث تأخذ مساراً رسمياً بطريقة لا تثير حفيظة الأطراف الأخرى».

ثم تابع شارحاً: «ضمن هذا (الإطار)، أرى أن هذا النهج يسير بطريقة معقولة، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المطالب الرافضة للوجود الأميركي في العراق، والمطالبة بضرورة الانسحاب السريع. وفي مقابل ذلك هناك أطراف تريد بقاء القوات الأميركية، هم الكرد والسنة، الذين يرون أن أي محاولة للمعالجة السريعة غير البناءة يمكن أن تجر العراق إلى مساحات أخرى على الأصعدة المختلفة، في مقدمها البعد الاقتصادي والملفات الأخرى التي تحتاج إلى معالجات هادئة من دون فرض الإرادات من قبل هذا الطرف أو ذاك».

قوى «الإطار التنسيقي» تُظهر نفسها بأنها موحدةٌ داخل البرلمان بوصفها الغالبية...

إلا أنها في واقع الأمر تتكون من ثلاث قوى تتنافس مرة وتتصارع مرة



إنهاء مهام التحالف

!في السياق نفسه، عدَّ الدكتور إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخيارات أمام صانع القرار السياسي في العراق لإعادة التفاوض مع الأميركيين يمكن أن تبدأ بإنهاء مهام التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق. وربما يكون هذا التفاوض هو البداية للانطلاق نحو إعادة هندسة العلاقات بين واشنطن وبغداد». وأردف: «لكن الحكومة العراقية، حتى الآن، لا تملك رؤيةً واضحةً بشأن الاتجاه الذي يمكن أن تكون عليه العلاقات بين العراق وأميركا... هل هي علاقة صداقة أم شراكة استراتيجية أو تحالف، وإشكالية تحديد أي توصيف من هذه التوصيفات... هل هو من قرار الحكومة أم بعض الزعامات السياسية التي تسوّق نفسها على أنها معادية للأميركيين وترفض العلاقة معها بأي شكل كانت؟... هذه الإشكالية التي لم تتضح خيوط حلها لدى حكومة السوداني حتى الآن».

أما بشأن موضوع العقوبات على المصارف، فيرى العنبر أن «الخزانة الأميركية واضحة بشأن هذا الموضوع. إذ تعده مرتبطاً بتهريب الدولار إلى دول تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات. وعجز حكومة بغداد، تحديداً البنك المركزي العراقي، عن معالجة هذه المشكلة، هو السبب في العقوبات. ومن ثم فهذا الموضوع على امتداد أكثر من سنة هي عمر الحكومة، فشلت الحكومة في معالجته. وهذا الفشل في المعالجة لا يعطيها قوة في التفاوض بشأن هذا الموضوع». ومن ثم أوضح الأكاديمي العراقي «أن حكومة السوداني ممكن أن تنجح في إعادة رسم ملامح العلاقة مع واشنطن إذا تمكنت من إقناعهم بنقل العلاقة مع واشنطن من الجانب الأمني إلى الشراكة الاقتصادية».

في هذه الأثناء، ما بين رحلة السوداني إلى واشنطن وبين زيارة إردوغان الى بغداد، يبدو «حصاد» محمد شيّاع السوداني مستمراً لجهة ترسيخ أقدامه أمام خصومه وتقوية موقفه بالتزامن مع ما بات يحظى به من تأييد شعبي. ولكن في حين تمكن السوداني في واشنطن، خلال زيارته التي استغرقت 6 أيام، من حسم الكثير من النقاط العالقة بين البلدين، والتوقيع على عشرات الاتفاقات مع الحكومة الأميركية على صعيد عقود التسليح ومع الشركات الأميركية بشأن العديد من الميادين والفرص الاستثمارية في العراق، فإن الملفات التي كان حملها الرئيس التركي معه إلى بغداد ملفات مختلف عليها بين مختلف الأوساط العراقية.والواقع، أن المتغير المهم على صعيد العلاقات العراقية - الأميركية هو الموقف من الفصائل المسلحة التي تنادي بانسحاب كامل لما تبقّى من قوات أميركية في العراق تصنفهم بغداد بأنهم «مستشارون». وفي المقابل، المتغير الأهم في العلاقة بين بغداد وأنقرة هو الموقف من «حزب العمال الكردستاني» المختلف على توصيفه في العراق.

حقل كورمور للغاز بمحافظة السليمانية في كردستان العراق (رويترز)

الظاهر والخفي... في علاقات بغداد مع واشنطن

قبل أن تحط طائرة رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني في قاعدة إندروز الجوية بولاية ماريلاند الأميركية، كانت كل القوى السياسية والبرلمانية العراقية أعلنت تأييدها، ليس للزيارة وحسب... بل أيضاً لمخرجات تلك الزيارة قبل أن يبدأ رئيس الوزراء مباحثاته في اليوم التالي مع المسؤولين الأميركيين. ذلك أن البرلمان العراقي، المكوّن من 329 نائباً، أصدر بياناً أعلن فيه تأييده لزيارة السوداني. وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعي أصدرت بياناً أيّدت فيه مقدماً الزيارة ومخرجاتها. وأيضاً «ائتلاف إدارة الدولة»، الذي هو الكتلة البرلمانية الأكبر الداعمة للحكومة، أصدر هو الآخر بيان تأييد مما يعني أن السوداني وقبيل لقائه مع الرئيس الأميركي جو بايدن بات يحظى بإجماع عراقي شامل. إلا أن ما خفي من بعض الأمور كان مختلفاً عن ظاهرها، بما في ذلك هدنة الفصائل المسلحة مع القوات الأميركية، وما تعرّض له حقل كورمور الغازي في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق من قصف بطائرة مسيّرة بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى بغداد بأيام قلائل. إذ وضع هذا الأمر مزيداً من علامات الاستفهام حيال ما يجري. وفي حين بدت عملية قصف حقل كورمور الغازي وكأنها جزءٌ من مساعي تقويض الأمن، فإنها من جهة أخرى تبدو جزءاً من عملية تصفية الحسابات في الداخل العراقي بين عدة أطراف تتداخل فيها المصالح وتتشابك مع أطراف خارجية، لا سيما تركيا وإيران، بخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة التصريحات والتصريحات المضادة لبعض الأطراف... من بينها أطراف كردية. ولكن ما أعلنه رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني خلال اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» الذي عُقد في القصر الحكومي ببغداد، والذي خصّص لمناقشة زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن وزيارة إردوغان إلى بغداد، هو أن الأجهزة الأمنية العراقية توصلت إلى خيوط أولية بشأن الجهة المتورطة في قصف الحقل الغازي في السليمانية. ومع أن السوداني ترك النهايات مفتوحةً بانتظار ما يمكن أن تسفر عنه النتائج، فإن ما أعلنه بدا رسالةً مبطنةً إلى الجهة المتورطة بالقصف، مضمونها أن الدولة العراقية تعرف هوية هذه الجهة بصرف النظر عن الإجراءات التي يمكن اتخاذها ضدها الآن أو في المستقبل.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.