كيف يُفهم غزل إردوغان بمصر؟

كيف يُفهم غزل إردوغان بمصر؟

الثلاثاء - 4 صفر 1442 هـ - 22 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15274]
نديم قطيش
إعلامي لبناني

دخل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شخصياً على خط الغزل السياسي مع مصر. بعد صلاة يوم الجمعة الماضي في إسطنبول قال خلال مؤتمر صحافي: «لا مانع لدينا في الحوار مع مصر، وإجراء محادثات مع القاهرة أمر مختلف وممكن، وليس هناك ما يمنع ذلك». وكان مستشاره ياسين أقطاي، قد مهَّد له بتصريحات أشاد خلالها بالجيش المصري، قائلاً إن «الجيش المصري جيش عظيم، نحن نحترمه كثيراً، لأنه جيش أشقائنا». تندرج هذه التصريحات في سياق سيل من مثيلاتها التركية التي توالت تجاه مصر خلال الأشهر القليلة الماضية منذ «إعلان القاهرة» حول الأزمة الليبية في الأسبوع الأول من يونيو (حزيران)، وهي مبادرة حل سياسي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتفاهم مع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح.
يتمحور جوهر المبادرة حول مرجعيات الحل السياسي المنصوص عليها في مخرجات مؤتمر برلين والتي تتضمن خطوات تنفيذية واضحة في السياسة والأمن والاقتصاد، وتستظل بشرعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة بغية إلزام كل الجهات الأجنبية إخراج المرتزقة الأجانب من الأراضي الليبية كافة، وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، وإقرار إطار وطني ليبي للشراكة السياسية بين الأقاليم الليبية الثلاثة، طرابلس وبرقة وفزان.
بعد «إعلان القاهرة»، انتقل السيسي إلى الإطار العسكري للمواجهة راسماً في 20 يونيو الماضي، حدود الأمن القومي المصري عند خط مدينة سرت وقاعدة الجفرة داخل ليبيا على بعد 1000 كلم من حدود مصر الغربية. وتلا ذلك موافقة البرلمان المصري على قيام الجيش بـ«مهام قتالية» في الخارج، في إشارة حازمة لاحتمال التدخل العسكري في ليبيا.
تفسر هذه الخلفية بعضاً من موقف تركيا الغزلي تجاه مصر. لكن يجب إضافة خمسة عناصر لتكتمل صورة الموقف التركي التراجعي هذا.
1 - يحاول إردوغان أن يرتدي قناع اللاعب العاقل، المتحاور، المرن بعد أن نجح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في قمة كورسيكا، التي جمعت رؤساء دول وحكومات فرنسا واليونان وقبرص ومالطا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال في تسديد لكمة قاسية له عبر موقف أوروبي واسع متضامن مع اليونان، أدان «الاستفزازات التركية في البحر المتوسط» ودعا أنقرة إلى أن تنهي تحركاتها أحادية الجانب وعمليات التنقيب غير المشروعة في البحر المتوسط.
وكان سبق ذلك مسار تصعيد سياسي وعسكري فرنسي دفع بتركيا إلى سحب سفينة التنقيب «عروج ريس» التي أرسلت مرفوقة بأسطول حربي إلى المنطقة المتنازع عليها مع اليونان في شرق البحر المتوسط.
2 - يطمح إردوغان إلى شق صف الجبهة الموحدة ضده في شرق المتوسط من خلال تحييد مصر بالكلام المعسول، وإظهار الصراع وكأنه محصور بفرنسا والإمارات الدولتين غير الحدوديتين مع ليبيا.
وهو ما أشار إليه أقطاي بقوله إن «فرنسا ودولة عربية تحرضان مصر على قتال تركيا».
3 - تعاني المغامرة التركية في ليبيا من اصطدامها بوقائع قاسية على الأرض كان آخرها التشققات العميقة التي أصابت حكومة الوفاق. فمن جهة أولى شكل إعلان فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة المعترف بها دولياً في ليبيا، عن رغبته في تسليم السلطة نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مؤشراً إلى خروج الخلافات بين حلفاء أنقرة (السراج ووزير داخليته فتحي باشاغا) عن السيطرة. ومن جهة ثانية مثلت ردة الفعل المسلحة من ميليشيات مصراتة على الحوار بين نائب السراج، أحمد معيتيق، وقائد الجيش الوطني الليبي (حفتر) وتشكيل الطرفين لجنة فنية مشتركة للإشراف على إيرادات النفط الليبي، بعد قرار حفتر إعادة فتح الحقول النفطية، مؤشراً إضافياً على العفن الذي يضرب المجموعة السياسية التي تساندها تركيا في ليبيا.
4 - على المستوى الداخلي التركي، تزداد عزلة إردوغان بالتوازي مع تنامي مستوى التجرؤ عليه من القيادات التاريخية للحزب. وباتت الاتهامات تكال له يومياً بالمسؤولية المباشرة عن الأزمة الحادة التي يعاني منها المواطن التركي. فمعدلات البطالة في أوساط الشباب بلغت 30 في المائة، ومعدلات التضخم تجاوزت 13 في المائة، في حين أن العملة التركية وبحسب «بلومبرغ» خسرت ما يزيد على 21 في المائة من قيمتها هذا العام، لتصبح ثاني أسوأ عملة أداء في الأسواق الناشئة بعد العملة البرازيلية.
وفي هذا السياق اعتبر رئيس الوزراء التركي السابق رئيس «حزب المستقبل» المعارض أحمد داود أوغلو، انفراد تركيا في أزمة شرق المتوسط، دليلاً على فشل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في الدبلوماسية. وللدلالة على الأعماق الخطيرة التي بلغتها الأزمة التركية رحب داود أوغلو بدعوة رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي السابق، صلاح الدين دميرتاش، للتحالف في وجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، قائلاً إنه من الصواب لمستقبل البلاد لقاء أي شخص يؤمن بالديمقراطية في تركيا كمبدأ، ونجح في إبعاد نفسه عن الإرهاب.
تشكل هذه العناصر كلها مادة ترويض جدية لإردوغان المعزول داخل حزبه، وبلاده وإقليمه، والمنتقل ببلاده من سياسة صفر مشاكل إلى واقع صفر أصدقاء.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة