القلق من الانتظار الطويل

القلق من الانتظار الطويل

الأربعاء - 29 محرم 1442 هـ - 16 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15268]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

على مدى أكثر من خمسين عاماً من العمل في الكتابة والتعليق والتحليل لم تكن هناك فترة منها لم تكن مفعمة بالمتغيرات الكثيرة. كان التغيير دائماً حادثاً بقوة؛ لأن البشر يتغيرون وقوى الإنتاج تتغير والتوازنات العالمية لا تبقى على حالها، فهناك دائماً حالة صعود وسقوط الأمم. وسط ذلك كله هناك فترات للقلق والانتظار، هناك لحظات مفترق الطرق التي لا يعرف أحد إلى أين يكون الذهاب ومتى يكون واجباً الانحراف يميناً أو يساراً أو حتى الخروج عن الطريق كلية. خذ مثلاً الحالة الحالية للانتخابات الرئاسية الأميركية، هناك فيها لحظة انتظار ليس طويلاً لمن سوف يكون صاحب الفوز في هذا السباق.
هو سباق عجيب من الأصل لأنه يبدو كما لو كان سباقاً بدأ منذ عام 2016 ولم يستكمل حتى الآن؛ ولولا أن الولايات المتحدة دولة بالغة الأهمية في عالمنا المعاصر لما اهتم أحد بقضية المنافسة بين دونالد ترمب وجو بايدن. المعلومات المتواترة، والتحليلات المتراكمة، لا تكف عن جعل حالة الانتظار ثقيلة بعدم اليقين؛ فإذا ما كان هناك توافق في لحظة ما على أن بايدن في المقدمة من استطلاعات الرأي العام، فإنه سرعان ما يكون هناك تشكيك في قيمة هذه الاستطلاعات على ضوء ما حدث في الانتخابات السابقة، حينما أخفى الجمهور الجمهوري الحقائق عن المستطلعين. المادة الصحافية المتواترة تقيس الأمور مرة على أساس التصويت الشعبي، ثم تعود إلى حساباتها على طريقة المجمع الانتخابي. ما هو الفارق على أي حال بين بايدن وترمب؟ سؤال قليلاً ما جرى التمعن فيه؛ لأن الفيصل فيه يهم في الأساس الشعب الأميركي نفسه الذي عليه أن يقرر.
المسألة في الواقع يجب أن ينظر لها من الزاوية التي تخص كل دولة من دول العالم حتى تتقلب بين التفاؤل والتشاؤم، وتقرر ما الذي تريده حقاً من الولايات المتحدة سواء كان رئيسها هذا أو ذاك.
الانتظار أيضاً يشمل السؤال عما إذا كان العالم سوف يتجه إلى صراعات كبيرة أم أن الاتجاه السابق نحو تراجع الصراعات الدولية سوف يستمر. باستثناء الشرق الأوسط كان العالم على مدى العقدين الماضيين هادئاً، وتاريخياً كان معلوماً أن الحدود الصينية - الهندية ليست على أحسن حال، وقبل ستة عقود تقريباً كانت هناك حرب بين البلدين، لكن الصراع انفرج عن «التعايش السلمي» الذي نفع كثيراً في نهضة البلدين الاقتصادية، لكن الحدود ظلت ملتهبة، وقضية التبت لا تنفرج مرة حتى تتعقد مرات. ما حدث أنها انفجرت في اشتباك قرب الحدود، والآن جارٍ تقريب وجهات النظر. في منطقتنا انفجر صدام آخر، مرة أخرى بين جيران أيضاً – تركيا واليونان – وبينهما تاريخ عميق من الصراعات التي استمرت لقرون وألفيات. وفي الحالتين حدث حشد للقوات، وكانت التهديدات عالية الصوت، وحدث اشتباك أو آخر أو جرى القرب منه؛ فهل ينفك التجميد عن صرعات تاريخية عميقة مرة أخرى لكي تبحث عن حل لأصولها العنيفة، ولكن في القرن الواحد والعشرين هذه المرة. هل حقيقة الأمر في الشرق الأوسط أن الصراع العربي - الفارسي، والعربي - العثماني هو حقيقة ما يحدث الآن، وأن ما بقي من الصراع العربي - الإسرائيلي هي مسألة وقت فقط لكي ينفجر بشكل أو بآخر؛ أم أنه يجري بالفعل عن طريق قصفات تقوم بها إسرائيل في سوريا والعراق ولبنان؟ التجربة تقول إن الصراعات التاريخية لا تكف عن إطلاق شرارات الحريق منها ما لم تكن هناك تهدئة، وتعايش، وبحث عن طريقة أخرى للحياة. مثل ذلك لا يسر أطرافاً كثيرة.
هناك قلق وانتظار آخر يخص الصين وله وجهان: الأول للترقب حول عما إذا كانت الصين سوف تكون بالفعل دولة عظمى أخرى في العالم؛ والآخر ماذا تفعل الدول في هذه الحالة، وبالنسبة لنا هل سيكون ما نراه حرباً باردة جديدة، أما أنها محض منافسة بين دول لديها طاقات عظيمة؟ المؤكد أن هناك فارقاً كبيراً بين الحالتين، ولن يكون مجدياً كثيراً العودة إلى سياسات عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي، لكن إذا كان ذلك كذلك، فكيف يمكن إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة والصين؟ الصين وحدها في لحظة الانتظار هذه منتظرة هي الأخرى للفائز من الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ لأنها أصبحت دولة عظمى بسبب جهودها أولاً، ثم بسبب الرعاية الأميركية في إطار العولمة، ثانياً عندما دخلت الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وأصبحت مصدر المصنع العالمي بسلاسل إنتاجها وتوريدها، ومؤخراً دخلت في السباق التكنولوجي الكبير، سواء على الكوكب أو في الفضاء. ولكن مشكلة الانتظار ليست صينية فقط، لكنها أميركية كذلك؛ لأن اختيارات بكين إزاء الجوار القريب في هونغ كونغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي، بعضها يمكن العيش معه، وبعضها الآخر منذر باشتعال ليس ببعيد.
ولكن لحسن الحظ أن هناك صياغة أخرى للعلاقات الصينية - الأميركية تخرج بها من إطار الصراع الحتمي، وتبعدها عن مشابهة مع الحرب الباردة التي جرت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قبل انهيار سور برلين. الصياغة الجديدة هي أن الحال ليس في انتظار صراع، وإنما حالة من المنافسة الشديدة الاقتصادية والتكنولوجية، وهذه حالة أخرى. في الصراع يكون الاستقطاب حاداً وليس فيه اقتسام، ومن ليس معي هو بالضرورة عدوي؛ ولكن في المنافسة فإن التناقضات والمواقف يحددها الموضوع، والزوايا «الجيو سياسية» التي تقف فيها الدول، وقدرات كل دولة علي بناء تحالفات إقليمية صلبة أو ناعمة. قلق الانتظار في حالة المنافسة يتحدد بتوقع العائد، أما في حالة الصراع فيكون الحساب بتوقع الخسارة.
اللغز الأكبر في حالة الانتظار القلقة لا يتعلق بالتوجهات الصينية أو الانتخابات الأميركية، وإنما بحالة الأطراف الدولية التي لم تكتمل أحوالها. روسيا خرجت من مرحلة الحرب الباردة، لكنها لا ذهبت في اتجاه الازدهار الصيني، ولا راحت في اتجاه القوة الأميركية؛ هي دولة قوية لديها الكثير من القوات العسكرية والصواريخ النووية، لكنها لا يوجد لديها سلعة واحدة معروفة في الأسواق العالمية غير السلاح. الاتحاد الأوروبي لغز آخر تغير حاله من اليقين إلى انتظار التغيير بعد الخروج البريطاني؛ ألمانيا أحياناً تبدو قائدة، ولكن فرنسا لديها من الضجيج ما يكفي لمظهر من يمسك الدفة الأوروبية. وبعد أن كان الاتحاد الأوروبي يسير في اتجاه قوة عالمية، أصبح الآن غايته أن يكون قوة في البحر المتوسط، وما بين هذا وذاك هناك الكثير من الانتظار. والانتظار في العلاقات الدولية له تكاليفه المادية والعصبية إذا ما كان الصبر طويلاً!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة