من «زنقة زنقة» إلى «بوزنيقة»

من «زنقة زنقة» إلى «بوزنيقة»

الأحد - 25 محرم 1442 هـ - 13 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15265]

إذا كانت حكايات شهرزاد المعروفة، متميزة، ضمن أشياء أخرى، بالمسافة الزمنية الطويلة التي استغرق سردها حتى تكتمل، وبلغت ألف ليلة وليلة، ما أكسبها شهرة عالمية، فإن الحكاية الليبية فاقت حكايات شهرزاد، على كافة المستويات، غرائبياً وزمنياً ودرامياً، وما زالت حتى بعد قرابة عقد من الزمان متواصلة. بدايتها كانت في شهر فبراير (شباط) من عام 2011، وافتتحها العقيد القذافي بخطاب «زنقة زنقة» سيئ الصيت، ووصلت خلال الأيام الماضية إلى «بوزنيقة» في المغرب. وإذا كانت الزنقة معروفة بضيقها وصغرها، فإن الزنيقة أشد صغراً وضيقاً. وفيها اجتمع مؤخراً وفدان يمثلان مجلس النواب ومجلس الدولة السيادي، بغرض تقاسم ما تبقى من الذبيحة: هذه حصتكم، وهذا نصيبنا. أو هذا، على الأقل، ما حملته، إن صدقتْ، رسلُ الأخبار القادمة من تلك المنطقة، التي أشكُ في أن اختيارها مكاناً للقاء تمّ بمحض صدفة.
الوصول إلى «بوزنيقة» لم يكن سهلاً، كما قد يتوقع البعض. بل استغرق عشر سنين طويلة، مروراً بالصخيرات وبرلين وأنقرة وموسكو وأبوظبي والقاهرة وروما وباريس وتونس. وعبورها بسلام وأمان، يبدو، لمن يعرف تضاريس الواقع السياسي الليبي، سيكون أكثر صعوبة ووعورة. ولا أحد بإمكانه، حتى الآن، تخمين ما ستستغرقه من زمن، آخذين في الاعتبار طبيعة الظروف السياسية الراهنة محلياً، وإقليمياً ودولياً، وما لدينا من معلومات تراكمت، خلال الأعوام الفائتة، عن شخصيات وهوّيات المجتمعين، ومن يمثلون على أرض الواقع. وكل ذلك يتمّ في وقت اقتلعت فيه رياح العواصف وصواريخ المعارك ما تبقى صامداً من علامات دالة على منافذ الخروج. وبذلك، أضحى السفر في مسالك الدروب موحشاً، ولا يخلو من مفاجآت غير سارة، وسلامة الوصول معلقة بخيوط واهية في أيادي الغيب. ومع كل ذلك، ورغم التحفظات، نأمل أن يصل المجتمعون هناك إلى وفاق حول الغنائم، وأن يستكملوا سريعاً تقسيم الذبيحة، أو ما تبقى منها. وأن يصلوا أخيراً، مهما كانت الوسائل، إلى اتفاق سياسي، يساهم في التخفيف من معاناة المواطنين، ويحافظ على وحدة ليبيا، وعلى أمل أن يعاد وضع عجلات القطار الليبي على قضبانه بعد ترميمها، ليواصل رحلته بسلام، فوق الأرض، وتحت الشمس.
المسألة الليبية تتجاوز، في نظري، حكاية السؤال حول نصف الكأس: ملأن أم فارغ؟ ولا محل بها لبوم التشاؤم، أو لفراشات التفاؤل. لأنها وصلت درجة من تعقيد مركّب، تتداخل فيه عوامل متنوعة ولاعبون عدة، يتنافسون لتحقيق أهداف مختلفة، ولحماية مصالح متعارضة. على مرّ الأعوام الماضية، رأينا الاصطفافات والتحالفات في الساحة الليبية تتغيّر، وفقاً لتغيّر المعطيات على جبهات القتال، أو ما كان يحدث، وراء أبواب مغلقة، في عواصم عربية وإقليمية وأوروبية. التدخل الخارجي في الأزمة كان هناك حاضراً منذ بدء النزاع، لكنّه اتسم، في البداية، بالتحرك من خلف كواليس ليست معتمة، وبالإمكان رؤية من يتحركون وراءها. تغيّر الظروف، وما شهدته الساحة من مستجدات، حتّم على اللاعبين الخارجيين التحرك من وراء الكواليس، والتحول إلى وسط الخشبة. وصرنا نشاهد في نشرات الأخبار المتلفزة تقارير مصورة لمقاتلين مرتزقة، من عدة بلدان وأجناس، يصولون ويجولون في محاور القتال، وعلى مختلف الجبهات الليبية. وكل ذلك كان يحدث، جنباً لجنب، مع أكبر عمليات نهب للمال العام، والمتاجرة في تهريب البشر عبر الصحراء والبحر إلى أوروبا، وتهريب الوقود والسلع المدعومة إلى خارج الحدود، وانعدام السيولة النقدية في المصارف، وانقطاع الكهرباء، وإغلاق المدارس، وغياب الرعاية الصحّية، واستفحال جرائم الحرابة. وفي هذا الخضم الهائج المائج تمكن الخُضرُ، أنصار النظام السابق، من فكّ الحصار المضروب عليهم، واقتحموا الساحة، ولم يعد ممكناً تجاهل وجودهم، أو الغضّ والتقليل من إمكاناتهم، وقدراتهم. وصار من غير الممكن تجاهل ما يطرحونه من مطالب. ولا أستغرب أن أرسلوا بممثليهم إلى المغرب، ليكونوا في بوزنيقة، يقدمون الاستشارات والنصائح لكلا الوفدين. الأخبار الواردة من المغرب تؤكد أن المجتمعين في بوزنيقة لم يتحملوا مشقة السفر بغرض إنقاذ البلاد، وانتشالها من أوحال المستنقع الذي ألقيت فيه، بل لتحقيق أهداف تتميز بالضيق، في تناغم مريب مع الزنيقة، اسم مكان اللقاء، ولا تتجاوز مطامح شخصية، أجدرها بالذكر احتفاظهم بمواقعهم ومناصبهم ومكاسبهم الشخصية، هم وأتباعهم ومناصروهم. وأن السعي لإجراء استفتاء على مسودة الدستور، والتسريع بعقد انتخابات، كما تتحدث الأخبار، ليس على قائمة أولوياتهم، لأنهم يعرفون أنها تسرّع بالتخلص منهم. وبالتالي، فهي، في وجهات نظرهم، أمور تقبل التأجيل، ووضعها إلى جانب غيرها من القضايا الأساسية، في ثلاجة الانتظار، لفترة زمنية أطول، لا يضرّ. والمفيدُ هو عدم إضاعة الوقت، وتركيز النقاش والتفاوض حول المواضيع المفيدة لهم أولاً وأخيراً: مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية العامة للنفط، والمؤسسات والمحافظ المالية الاستثمارية في الخارج، بهدف الوصول إلى اتفاق بشأن إعادة تموضعها جغرافياً، وتحديد أسماء المحظوظين ممن سيتولون إدارتها، ويمتلكون حقوق التوقيع على الصكوك والتحويلات والمستندات. أما غيرها من الأمور، فالزمن، كما عودنا، كفيل بحلها، كعادته مع غيرها من الأمور.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة