عطب في روح بيروت

عطب في روح بيروت

الجمعة - 25 ذو الحجة 1441 هـ - 14 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15235]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

وراء غابات المنازل المدمرة، والدكاكين المخلّعة، وأطنان الزجاج المتناثر، تخفي بيروت عطباً دفيناً أصاب الروح، قد لا يغادرها أبداً. خواء العيون، بهوت الابتسامات، نشيج الحناجر، تشي بخوار وتهالك. «ليس بوسع أحد أن يبلغ الفجر من دون المرور بطريق الظلام»، أخبرناه صاحب «الأرواح المتمردة» و«الأجنحة المتكسرة»، غير أن الحلكة طالت وتمددت، والنور بعيد، وبصيصه ضعيف، يصعب عليه مقاومة عصف الريح.
مع إزاحة الركام تدريجياً، تتكشف طبقات الخراب، وفداحة الخسائر التي بالتأكيد لم يتمكن صندوق النقد الدولي من ملاحظتها، أو رقم الـ15 مليار دولار من إحصائها.
الأحياء المنكوبة، هي الأكثر غنى وخصوصية، هي مقر غاليريات الفن والمتاحف، والمطاعم، وأماكن السهر، وخشبات المسارح، ومواقع الأبنية التراثية الأجمل، حيث فيها قرر هواة الإبداع والابتكار، تشييد مشاريعهم الطموحة التي بطبيعتها تحتاج إلى عزائم وصبر، وطول نفس. لا تستطيع أن تقول لأندريه صفير - زملر التي طارت من هامبورغ قبل سنوات لتفتتح صالاتها الجميلة الأنيقة في «حي الكرنتينا» دون غيره، وبالقرب من المرفأ، وتحمل الفن اللبناني إلى كل عاصمة، إن كل ما زرعته طوال 35 عاماً ذرته الريح. وأن تصارح زميلتها السبعينية نايلة كتانة التي تركت ألمانيا هي الأخرى ولا حلم لها سوى بناء مجموعتها الفنية الخاصة، وافتتاح معرضها الذي وضعت فيه حبها وشغفها، لتستفيق وتجد أنها باتت في عمرها هذا، بلا بيت، و«غاليري تينت»، الذي استثمرت فيه كل ما لديها، حطم، ومجموعتها التشكيلية الأثيرة أبيدت. بعد أن ينفض الغبار عن الكارثة، سيتكشف أن ثمة خسائر من النوع الذي لا يعوض، لأنه ثمرة سهر وشحذ عزائم، وأعوام كدّ. من يقنع صاحبة غاليري «ليتيسيا» أن للفن معنى بعد أن دفنت ابنتها غايا أغلى وأجمل ما لديها، ومن يقول لصالح بركات إن رفيقه في «غاليري أجيال»، الشاب الحيوي الموهوب فراس الدحويش، كان لا بد أن يموت بعد أن غادر مكان عمله. لن نسأل عن اللوحات الفنية والمنحوتات التي تلفت، وإنما عن البشر، عن تصدعات النفوس، وشروخ الذاكرة، وذبول الإرادة. كتبت جريدة «لوريون لو جور»، بعد خفوت الأمل لم يبق سوى المقاومة. ولكن كم سنصمد؟ هذا وحده ما يفسر هبوب عشرات آلاف المتطوعين، يكنسون الشوارع، يحضرون الأطعمة، يوزعون المياه. هناك شعب تعب، ويقارب على الاستسلام، ولا بد من بث جذوة الحياة. لم يعد يليق بمايا دياب أن تغني أو ترقص؛ صار عليها أن تكنس، والممثلة ندى أبو فرحات أن تطبخ، وماجدة الرومي تجوب وسط الدمار، وأنابيلا هلال تعين المصمم العالمي زهير مراد على إزالة دمار مكاتبه. لا يوجد مصمم أزياء عالمي لبناني إلا وجعل من بيروت مركزاً، وها هم أمام حطام. التبرعات رمزية أحياناً، لكنها ضرورة لأن المأساة الأخيرة راكمت على سيل من المحن. هي فائض من التعذيب والقهر والظلم الذي وصل إلى القتل. التحدي اليوم في إقناع البشر بأن جهودهم لا تزال ذات جدوى، رغم أنه لم يبقَ حجر على حجر.
ما هي بيروت، إن لم تكن موسيقى، ودور نشر، وصحفاً، ومعارض، ومسرحيات تتنافس كل ليلة، وأناساً يبحثون في أجنداتهم عن أجمل ما يمكنهم فعله في لياليهم، إن كان الأجدى حضور حفلة لمهرجان الرقص المعاصر أو الذهاب لمشاهدة أفلام أحد مهرجانات السينما، أو ربما التوجه إلى مقهى «تاء مربوطة» في الحمرا، حيث ثمة جلسة قراءة ونقاش حول رواية جديدة؟ وماذا بعد أن أصبح كل هذا عسيراً بفعل الانهيار الاقتصادي ثم صار مستحيلاً بعد الدمار الجهنمي؟ فما تفعل وقد أصبحت مسارح بيروت كلها مصابة، من مسرح «المدينة» إلى «دوار الشمس»، «الجميزة»، ولا داعي للتعداد. كل يشعر اليوم أن الحياة توقفت، وأن ما يحدث يدفع به إلى الوراء، وكأنما السير ممنوع، والتراجع قدر لا بد منه.
فسحة الجمال تقلّصت، ضاق بنا المكان، وكان رحباً مفتوحاً على الأفق. حتى الاستمتاع بفنجان قهوة في باحة «قصر سرسق» الجميل والذي انتظرنا ترميمه بفارغ الصبر ست سنوات لم يعد ممكناً. هناك من سرق البهجة من القلوب، بعد أن سرق الجيوب.
الشابة الموهوبة كارولين حاتم، أستاذة جامعية، كاتبة ومخرجة مسرحية وممثلة، نشيطة ومسرحيتها «البيت» هي عن الحرب ونزفها النفسي الذي لا يندمل. ومع ذلك، كانت الصدمة بالنسبة لها قاسمة. جمعيتها الثقافية «يزن» ليست متضررة بشكل كبير، لكنها مصابة بخسائر أكبر فداحة. تتحدث عن شلل الحلم إن لم يكن موته. مع طلابها كانت تحضّر لتقديم مسرحية عن نص لألبير كامو حول الثورة وراديكاليتها، وبدأت تتفق مع مسرح «دوار شمس» لتعرضها هناك. كانت المعاناة كبيرة بين وطأة الوباء والحالة الأمنية، أضيف إليهما الانفجار. «ودخلنا في التيه. الآن أشعر أن حياتي توقفت، وحياة الشباب وحياتنا جميعاً». تتألم كارولين لأنها بدأت تفقد إيمانها بأن المسرح يمكن له أن يلعب دوراً، أو أن الفن قد يصلح أداة للتغيير. «صرنا كشخصيات مسرحيات بيكت مصابين بالتأتأة، وعاجزين عن الكلام. مع ذلك قلت في نفسي لأعد وأجتمع بطلابي، لأحاول أن آتي لهم بتمويل وأدفع لهم، وأشجعهم، على إكمال الطريق. لا أريد أن ينتابهم إحساس بأن المهنة التي اختاروها هي ضرب من المستحيل».
أكثر ما يوجعك وأنت تستمع لكارولين هو قولها، كما تسمع من غيرها، إن «الانفجار، وبخاصة إذا لم يحاسب المسؤولون عنه، ويبدو أنهم لا يحاسبون، بمقدوره أن يهدمنا كلياً، كمواطنين وفنانين». كارولين تفكر جدياً في الرحيل وتلك خسارة كبرى، ومن هم أكبر منها يسألون، إن كان حقاً، لا يزال في العمر متسع فلنعد البناء من جديد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة