العودة إلى مربع الارتباك

العودة إلى مربع الارتباك

الأحد - 20 ذو الحجة 1441 هـ - 09 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15230]

كنّا، خطأ، نَظنُّ أن الوباء الفيروسي قد أكمل دورته القاتلة، ورحل حاملاً مصائبه بلا عودة، فإذا بنا نفيق من غفوتنا لنكتشف أنه عاد مجدداً، رغم كل ما اتُّخذَ ضده من تدابير وإجراءات واحترازات. وكأنّه لم يقرر بعد مغادرتنا نهائياً، ولم يعنّ له بعدُ تركنا لحالنا، لنعود باطمئنان لممارسة حيواتنا، وما افتقدناه من صلات دنيوية. الجدير بالملاحظة، أن تأخر المختبرات العلمية في الوصول إلى لقاح يَحول بين الفيروس وبين إحداث أضرار بليغة صحّياً بين الناس، لا ينفي حقيقة أن الحكومات، هذه المرّة، في مختلف بلاد العالم، تبدو أكثر استعداداً وعُدة، على المستويات كافة، للتعامل مع الفيروس، والحدّ من أضراره ما أمكن، بعكس المرّة الأولى، حين وجدت نفسها جميعاً في موقف مواجهة ضد عدو لا تعرف عنه شيئاً، وتجهل بالكامل طبيعته، ومسارات تحركاته. لكن الشيء نفسه لا يمكن أن يقال عن احتمالات الضرر وتداعياته الأخرى.
اقتصادياً، يمكن القول إنه على عكس ما لاحظنا ورصدنا في الجولة الأولى من الحرب ضد الوباء، تميّزت بداية هذه الجولة الثانية، بهبوط في قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، واليورو على وجه الخصوص. وبدا كأن العالم مضطر، رغماً عنه، إلى العودة إلى مربع الارتباك الأول، والاستعداد للسير خائضاً في مسارات اقتصادية غير معروفة، كثيرة المطبات، وغير مضمونة النتائج.
ويُرجع الخبراء الاقتصاديون السبب في هبوط قيمة الدولار إلى عدة عوامل؛ أولها عودة الوباء وانتشاره بشكل واسع في ولايات الجنوب الأميركي، وثانيها الانقسام السياسي الذي تشهده الساحة الأميركية، مضافاً إليهما، ثالثاً، الشكوك المخيّمة حول احتمال تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.
في شهر مارس (آذار) الماضي حين تمدد الوباء منتشراً، ملحقاً أولى الضربات بالاقتصاد العالمي، تسارع المستثمرون في أسواق العالم المالية متسابقين على اقتناء الدولار طلباً للسلامة. وأدى ذلك إلى ارتفاع قيمته بنسبة 9% خلال أيام قليلة. الصعود المرتفع ونسبته العالية، استناداً لتقارير إعلامية، يتّسقان وسرعة تمدد الوباء وانتشاره في بلدان العالم، الأمر الذي أعاد للأذهان ما حدث خلال الأزمة المالية 2008 - 2009.
وخلال الشهر الماضي، وعلى غير توقع، عانى الدولار انخفاضاً سريعاً في قيمته بنسبة 5%. هذا الانخفاض، وفقاً للظروف الاقتصادية الحالية، كما يؤكد الخبراء، يعدّ متوقعاً. لكنه يكون درامياً لو حدث في ظروف اقتصادية عادية. الهبوط في سعر الدولار جعل المستثمرين يسارعون للبحث عن بديل آمن، وهذا يفسر تنافسهم وسرعة تحركهم على شراء الذهب، مما أدى إلى ارتفاع أسعاره، بشكل غير مسبوق، في حين حافظت السندات الحكومية على أسعارها، التي تعدّ، نسبياً، مرتفعة.
الاقتصاد الأميركي ليس المتضرر الوحيد، من آثار الجولة الثانية في الحرب ضد الوباء. منطقة الاتحاد الأوروبي، أيضاً، تواجه هي الأخرى معضلات اقتصادية سببها الفيروس الوبائي في الهجمة الأولى، وبنسب أضرار متفاوتة، من بلد إلى آخر. لكن الإجراءات المالية التي أقدم عليها قادة الاتحاد الأوروبي ساعدت على التخفيف من حدّة الأزمة. إلا أن العودة المفاجئة للفيروس أربكت الحسابات من جديد، وصعّدت المخاوف.
ووفقاً لآخر الإحصائيات الصادرة أوروبياً، فإن الاقتصاد الإسباني، على سبيل المثال، بسبب تفاقم ما أحدثته عودة الفيروس الوبائي من أضرار، خصوصاً في القطاع السياحي، يمثل أعلى نقطة في رسم بياني متصاعد، في حين تتموضع ألمانيا في أسفل نقطة. ما حدث للاقتصاد الإسباني يعود سببه إلى أن دولاً عديدة في مقدمتها بريطانيا والنرويج وفرنسا وألمانيا وغيرها، اتخذت تدابير عاجلة توقياً من استفحال الضرر، لدى تسرب الأخبار بعودة انتشار الوباء في عدة بلدان في مقدمتها إسبانيا وتليها بلجيكا وغيرهما. بريطانيا، مثلاً، بدأت أولاً بإعادة فرض الإغلاق العام لعديد من المدن في شمال إنجلترا، ثم بعد ذلك، وعلى لسان رئيس وزرائها بوريس جونسون، ألزمت مواطنيها العائدين من إسبانيا حجر أنفسهم لمدة أسبوعين. النرويج فعلت الشيء نفسه، في حين أن فرنسا وألمانيا حذّرتا مواطنيهما من مغبّة زيارة مناطق في شمال إسبانيا مثل كاتالونيا وأراغون. توقُّف تدفق السائحين على إسبانيا يعني عملياً أن حجم الضرر الاقتصادي المتوقع سيكون هائلاً. الإحصائيات الرسمية تقول إن الدخل السنوي من السياحة في إسبانيا يصل إلى 12% من حاصل الدخل القومي. وبلغ حجم ما أنفقه السياح في العام الماضي 92 مليار يورو، علماً بأن 83.7 مليون سائح زاروا إسبانيا في عام 2019 منهم 18.1 مليون مواطن بريطاني، و11.2 مليون زائر من فرنسا، ومثلهم من ألمانيا.
المسافة الزمنية التي تفصل بين ظهور وانتشار الفيروس الوبائي وعودته ثانية تعدّ قصيرة. ومن المرجح أن تكون نسبة الإصابات على المستوى الصحي أقل من السابق، إلا أن الضرر الاقتصادي من المحتمل أن يكون بنسبة أكبر في معظم دول العالم، كما يؤكد ذلك العديد من المؤشرات والإحصائيات والتقارير الإعلامية والرسمية. وهذا يعني أن الحكومات ستواصل، رغماً عنها، سياسة الاقتراض والإنفاق بهدف تقليص حجم الضرر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة