ألم جديد في قلب بيروت!

ألم جديد في قلب بيروت!

الخميس - 17 ذو الحجة 1441 هـ - 06 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15227]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

لا يمكن فصل حدث كبير كالانفجار العظيم الذي حصل في مرفأ بيروت أول من أمس عن أحداث أخرى يستوجب ربطها ببعض لمحاولة فهم ما حصل.
لبنان كان في حالة ترقب، استعداداً لصدور حكم المحكمة الجنائية الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وذلك يوم غد الجمعة (تأجل حتى الثلاثاء 18 أغسطس/آب الجاري)، وهو الحكم الذي كان من المتوقع أن يدين تنظيم «حزب الله» الإرهابي بارتكاب الجريمة، وطبعاً يمكن التكهن بما يلي ذلك من تبعات قانونية من عقوبات سياسية ومالية واقتصادية على الحزب وأنصاره ولبنان.
قبل ذلك، كانت إيران تتعرض لحرائق غامضة، بالإضافة إلى تعرض وجودها العسكري و«حزب الله» في سوريا إلى هجمات عسكرية محددة. أيضاً افتعل تنظيم «حزب الله» مواجهات محدودة ومحسوبة سلفاً مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة مزارع شبعا (التي تتبع سوريا تاريخياً ولكنها تنازلت عنها لصالح المطالبة اللبنانية بها عن طريق «حزب الله» للإبقاء على سبب وجود المقاومة).
منذ اغتيال رفيق الحريري تحول «حزب الله» إلى أداة غليظة في تنفيذ مشروع «الحرس الثوري» الإيراني في المنطقة لصالح ولاية الفقيه، خالعاً قناع المقاومة للأبد ومحولاً لبنان من واجهة الهلال الخصيب إلى معمل الهلال الفارسي. إسرائيل بحاجة ماسة للإبقاء على حسن نصر الله و«حزب الله» والعكس صحيح؛ فهما بحاجة ماسة لبعضهما بعضاً للاستمرار، وهذا يفسر بشكل مقنع عدم إقدام إسرائيل على أي محاولة اغتيال لحسن نصر الله على عكس ما قامت به ضد رموز المقاومة الفلسطينية.
وجود تنظيم إرهابي مسلح يدار من دولة أخرى ويقتل من يعارضه وبمنهجية طائفية متطرفة، ويدير أمواله بالتهريب وتجارة المخدرات وغسل الأموال، ليس غريباً منه أن يقوم بتخزين ما يقرب من ثلاثة آلاف طن من أحد أسوأ أنواع المواد المتفجرة في ميناء بيروت الواقع تحت سيطرته تماماً، والملاصق لمناطق سكنية مكتظة، وبالتالي هذا ليس خطأ أو فساداً، ومن السذاجة الاعتقاد بذلك.
إن وضع هذا الكم المرعب من المتفجرات المعقدة نترات الأمونيوم، وهي النوع المفضل في استخدامات الحزب دوماً كما ثبت ذلك من قبل، لسنوات طويلة رغماً عن الجمارك وأحكام القضاء ولم ينقلها إلى مخازنه السرية البعيدة، لهو جزء رئيسي من أسباب المشكلة التي وصل إليها لبنان، لأنه خطط وجهز قنبلة مهولة أعدت للانفجار وكأنه يطبق خيار «هدم المعبد على رأسه وكل من معه فيه»، عاملاً بالمقولة المشهورة «علي وعلى أعدائي».
حجم الضرر النفسي والصحي والاقتصادي والإنساني الذي حصل جراء الانفجار بمرفأ لبنان يبدو أنه غير مسبوق ودونما أي مبالغة، ولكن يبقى طرح السؤال الأساسي الذي يتبع في حال حصول أي جريمة، وهو من المستفيد الأكبر مما حصل؟ الفريق الذي نفذ أكبر عملية اغتيال سياسي في تاريخ لبنان، هو نفسه القادر على تنفيذ أكبر عملية تفجير عرفها العصر الحديث، لتغيير الموضوع عن المحاكمة الدولية وتبعاتها وتهديد الناس وتذكيرهم بما ينتظرهم إذا ما عارضوه.
إسرائيل لديها سجل مرعب من الجرائم وتحديداً ضد لبنان، وهي احتلت أرضه وقتلت العشرات من شعبه، ولكن عدو الداخل يبقى دوماً السرطان الأخطر. اللهم سلم لبنان وارحم من مات منه واشفِ جرحاه وخلصه من أعدائه.
سلام لبيروت من القلب ودموع لا تتوقف على أوجاع هذا البلد الجميل التي لا تتوقف؛ أزمة سياسية، وانهيار في قيمة العملة الوطنية، وكساد اقتصادي، وغليان شعبي، وتفشي وباء «كورونا» ويأتي الآن انفجار مرفأ بيروت ليزيد الجراح ألماً.
أسطورة طائر الفينيق تصاحب بيروت... الطائر الذي يعود إلى الحياة بعد أن تحول إلى رماد. الكل ينتظر عودة بيروت حرة خالية من الطائفية والاستبداد لتكون كما كانت ذات يوم من زمن يبدو قديماً وبعيداً جداً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة