بإمكان أميركا السيطرة على «كورونا» بلا إغلاق ثانٍ

بإمكان أميركا السيطرة على «كورونا» بلا إغلاق ثانٍ

الاثنين - 14 ذو الحجة 1441 هـ - 03 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15224]

جاء ارتفاع عدد الإصابات بفيروس «كورونا» في جميع أنحاء الولايات المتحدة ليجعل الإغلاق الثاني إجراء لا مفر منه. فمن المحتمل أن تمر أشهر قبل أن يتمكن اللقاح من القضاء على جائحة فيروس «كورونا». كذلك لا يزال أمام الولايات المتحدة بضعة أشهر تواصل فيها استخدام استراتيجية الاختبار والتتبع التي لجأت إليها دول أخرى لمنع حالات تفشي جديدة للوباء.
ولأن من غير المتوقع بقاء الأميركيين في منازلهم لشهور متتالية، فإن الطريق العقلاني والعادل والإنساني إلى الأمام هو أن يوازن المجتمع بين السلامة من الوباء والوفاء بالاحتياجات الحيوية الأخرى، وهي الحاجة إلى كسب العيش وإلى التعليم والتفاعل الاجتماعي.
الأشخاص الذين يريدون الخروج من الحبس الانفرادي لا يتجاهلون بالضرورة «العلم»، بل يوازنون بين ما توصل إليه العلماء وعوامل أخرى، تماماً مثل الأشخاص الذين يستخدمون تكييف الهواء في طقس بالغ الحرارة لا ينكرون بالضرورة ظاهرة الاحتباس الحراري. فيمكنك أن تأخذ قضية الاحترار العالمي على محمل الجد من دون تقديم كل التضحيات الممكنة.
لمكافحة فيروس «كورونا»، دعانا مسؤولو الصحة العامة إلى اتخاذ تدابير صارمة وبذل كل ما في وسعنا لمنع المزيد من انتشار الوباء. لكن ما يجب أن يخبرونا به هو كيفية تقليل احتمالات إصابتنا بالمرض بطريقة يمكن بها الحفاظ على حياتنا اقتصادياً واجتماعياً، مع الحفاظ على المنحنى في أدنى حدوده وتوافر أسرّة في المستشفيات.
يقول مستشار الاتصال بالمخاطر بيتر ساندمان إنه يعتقد أن سياستنا الحالية «افعل كل ما يمكنك فعله لتجنب الإصابة» في الصحة العامة مدفوعة بالرغبة في تعويض أخطاء الماضي من جانب السياسيين والخبراء في الصحة العامة. ففي يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، طمأنوا الناس بأن المخاطر كانت منخفضة حتى مع انتشار المرض بسرعة في الصين وكان هناك كل سبب للاعتقاد بأنه سينتقل إلى مكان آخر.
أضاف ساندمان أن دوائر الصحة العامة أصيبت بحالة من الذعر بعد ذلك وأنه عمل على إعداد عدد من خطط التأهب للوباء والاطلاع على خطط أخرى، ولم يشر أي منها إلى مطالبة الجميع بالبقاء في المنازل في المستقبل المنظور.
كان هناك أساس منطقي جيد لمطالبة سكان نيويورك بالبقاء في منازلهم في وقت سابق من العام الجاري. وكان خفض المنحنى في مدينة نيويورك يعني منع الكثير من الناس من الإصابة بمرض خطير في وقت واحد وإرهاق المستشفيات. لكن سبب عمليات الإغلاق التي جرت في معظم الولايات الأخرى لم يتم الإبلاغ عنها بوضوح.
كان من الممكن تبرير أوامر إغلاق المؤسسات التجارية والبقاء في المنازل في الولايات الأقل تضرراً حال استخدمت لكسب الوقت للتعامل بشكل أفضل مع تفشي المرض بتكثيف تتبع مصادر العدوى وإمداد المستشفيات بالمواد والمعدات الواقية. لكن ذلك فشل بشكل مذهل، خاصة في فلوريدا وأريزونا وتكساس وكاليفورنيا.
قدم الناس هناك تضحيات هائلة ولم يحصلوا إلا على القليل جداً مقابل ذلك، حيث لم يتم فعل أي شيء تقريباً لجعل الوضع أكثر أماناً عند الخروج من عمليات الإغلاق. وبحسب ساندمان، الآن أخذت احتياطيات الناس الاقتصادية والعاطفية في النضوب.
ولذلك يتعين على مسؤولي الصحة العامة والمجتمع بصفة عامة أن يتصالحوا مع حقيقة أننا لسنا في هذا الأمر معاً. فمن السهل على بعض الناس البقاء في المنزل، حيث يعيش بعض الناس بشكل مريح على المدخرات ويمكن للبعض العمل من المنزل وسط عائلاتهم كما أن هناك من هم أكثر حماسة للبقاء في المنزل بسبب ظروف صحية تجعلهم أكثر عرضة للوفاة حال أصيبوا بفيروس كورونا.
لكن البعض مجبر على مغادرة المنزل للعمل، خاصة الأشخاص الأصغر سناً والأكثر صحة الذين يواجهون خطر الموت أو الإصابة بمضاعفات طويلة الأمد ولديهم قبول معقول لبعض المخاطر مقابل فرصة لكسب العيش، أو رؤية الأصدقاء والأقارب، أو منح أطفالهم التعليم الذي يحتاجونه لتحقيق النجاح، فهذه ليست أشياء تافهة.
حان الوقت الآن للاستفادة القصوى من الموقف السيئ والبدء أخيراً في التفكير في سياسات جيدة طويلة الأمد تسير بقدر من التوازن. في هذا الصدد، قال عالم الأوبئة في جامعة هارفارد ويليام هاناغ إنه لا يحب استخدام كلمة «إعادة الفتح»، بل من الأفضل التفكير في إبقاء العدوى في مستوى يمكن التحكم فيه عن طريق الحد من الأنشطة المعروفة بارتفاع مستوى مخاطرها.
تتباين مستويات مخاطر الأنشطة المختلفة حسب المكان والزمان، لذلك يحتاج رؤساء البلديات والمحافظون والقادة المحليون الآخرون إلى إبقاء الناس على اطلاع قدر الإمكان بالظروف المحلية. ما يهم هو العدد التقريبي للحالات النشطة والمعدية في المنطقة - وليس الحالات التراكمية، حيث إن العديد منها قد تعافى، وهناك معدل التغيير، عندما يكون العدد الأساسي للحالات منخفضاً بدرجة كبيرة.
هناك الكثير من البيانات لكن من الصعب الحصول على النوع المفيد منها. أو بحسب هاناغ، «لقد تلقينا خدمة سيئة لأن معظم البيانات الخاصة بطرق انتقال العدوى كانت بالغة السوء ومضللة بشكل مذهل... فقد كان هناك قدر كبير من الهراء».
يمكن تقدير معدلات الانتقال الحالية من خلال تقنيات مختلفة بما في ذلك اختبار عينة عشوائية من الناس أو قياس مستوى الفيروس في الصرف الصحي المحلي. من الضروري معرفة ذلك لأن خطر فتح صالات رياضية أو مقاه سيكون أعلى بكثير في منطقة تفشي المرض الحالية من منطقة لا توجد فيها حالات تقريباً.
حان الوقت أيضاً للتوقف عن إلقاء اللوم على بعضنا البعض لكي لا يحدث تمزق وانشقاق. وكما أشار ساندمان، «فإن كل إخفاقات الصحة العامة الصحية هي إخفاقات في السياسة ذاتها». فإذا لم يتبع الأشخاص سياسة الدولة، فذلك لأنها سياسة خاطئة أو تم إبلاغها بشكل سيئ. وهذا ما يفترض أن يفكر فيه صانعو السياسة.
هناك عدد محدود من الشجعان في قطاع الصحة العامة يعملون على مساعدة الناس في الوصول إلى مستوى من التوازن الذي نحتاجه بشدة ليقولوا للناس إن هناك بعض الأنشطة المنخفضة المخاطر نسبياً. فالوجود بالقرب من الآخرين في الهواء الطلق أكثر أماناً من الداخل، والتعرض القصير الأمد أكثر أماناً من التعرض طويل الأمد. وإذا كان الجميع يرتدون قناعاً فإن الذهاب إلى صالونات الحلاقة مثلاً لا خطر منه. وممارسة الرياضة في الهواء الطلق أمر مقبول. وتعتبر موائد المطاعم الخارجية أكثر أماناً من تلك الموجودة في الأماكن المغلقة.
وبهذه الطريقة، يمكن تسليح الناس بالمعلومات الكافية ليصبحوا مواطنين مثاليين خلال الوباء، وفي نفس الوقت التمتع بحياة معقولة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة