الوباء يميز بين الفقراء والأثرياء في أوروبا

الوباء يميز بين الفقراء والأثرياء في أوروبا

الثلاثاء - 16 ذو القعدة 1441 هـ - 07 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15197]

ضربت موجة الانتشار الأولى من فيروس «كورونا المستجد» - وبصفة خاصة - المدن الأكثر ثراءً في القارة الأوروبية، بما في ذلك العواصم الكبرى من شاكلة باريس، ولندن، ومدريد، ثم ميلانو. وبدا وكأن ذلك الفيروس هو معامل المساواة العظيم بين الشعوب، إذ لم يميز بين الأثرياء والفقراء.
بيد أن تسلسل أو مسارات انتشار الوباء في القارة الأوروبية تتسم بالتباين الشديد وللغاية. إذ بتنا نشهد أكبر حالات الانتشار للوباء الفتاك في بعض أكثر الأحياء فقراً وعوزاً وحرماناً في أوروبا، وهي في غالب الأمر تلك الأحياء التي تسكنها الأقليات أو جماعات المهاجرين الذين يعملون في وظائف ذات أجور متدنية للغاية، وذات الأهمية البالغة في دعم وإسناد الاقتصاد المحلي.
ويثير نمط التفشي المشهود التساؤلات حول ما إذا كانت الحكومات تقوم بما يكفي القيام به، من أجل ضمان فهم وإدراك جميع المواطنين للاحتياطات الأساسية اللازم اتخاذها بُغية حماية أنفسهم على النحو الواجب، مع توافر الوسائل اللازمة للقيام بذلك أيضاً. كما أن الأوضاع الراهنة تؤكد فشل العديد من البلدان الأوروبية في ضمان إتاحة المساكن اللائقة، والاستفادة من أدنى مستويات الأمان الوظيفي لدى أفقر شرائح المجتمع المهمشة على نحو كبير. ومن شأن الأوضاع هناك أن تؤدي إلى تأجيج التوترات الاجتماعية والاضطرابات العرقية، إذا ما وجهت اللائمة إلى مجتمعات المهاجرين واتهامهم بأنهم أولى الجهات المسؤولة عن نقل ونشر الفيروس الفتاك في المجتمعات الأوروبية الداخلية.
هناك خمس حالات انتشار كبرى لفيروس «كورونا المستجد» في كل أنحاء القارة الأوروبية تسرد في مجملها رواية مماثلة إلى حد كبير. ففي ألمانيا، أغلقت السلطات المحلية بلدية «غويترسلوه» الواقعة إلى شمال الراين وويستفاليا، وذلك بعد أن تأكدت إصابة مئات العاملين بفيروس كورونا في واحد من أكبر مصانع تجهيز اللحوم في القارة الأوروبية. وكانت مجموعة العاملين المصابة تلك تتألف إلى حد كبير من المهاجرين الوافدين من أوروبا الشرقية من العمالة التي تتقاضى الأجور المتدنية الزهيدة، والذين كانوا يعيشون معاً في سكن عمال المصنع. هذا، وتمكنت صناعة اللحوم في ألمانيا من الالتفاف على القواعد الصارمة الخاصة بشروط العمل المعنية باستخدام العمالة من الباطن، وهي القواعد التي يستهدف تغييرها أحد التشريعات البرلمانية الجديدة في البلاد.
وكانت حالات انتشار فيروس كورونا الكبيرة الأخيرة قد وقعت في مجتمعات تضم أعداداً كبيرة من المهاجرين الوافدين الذين غالباً ما يُضطرون إلى العيش تحت ظروف شديدة القسوة وبالغة الحرمان.
وفي المملكة المتحدة، ومع بدء خروج البلاد من حالة الإغلاق العامة الموجعة، قرر مجلس مدينة ليستر الواقعة إلى شرق ميدلاندز الاستمرار في إغلاق المتاجر والمحال غير الضرورية، ومواصلة إغلاق المدارس لمدة أسبوعين آخرين تحسباً لأي طوارئ محتملة. وتحتل مدينة ليستر أدنى مرتبة على نسبة 10 في المائة من حيث الحرمان من الدخل المعقول للأفراد والمواطنين في إنجلترا. ووفقاً لبيانات مجلس مدينة ليستر، هناك نسبة 37 في المائة من السكان من ذوي الأصول الآسيوية، مع نسبة 40 في المائة المقدرة للأشخاص الذين يعيشون في المدينة، وهم ليسوا من مواليد المملكة المتحدة. وكما هو الحال في الولايات المتحدة، أسفر الوباء الراهن عن التحفيف قليلاً من حالة انعدام المساواة العرقية في المملكة المتحدة، حيث خلصت هيئة الصحة العامة في البلاد إلى أن خطر الوفاة من فيروس «كورونا المستجد» أعلى في المناطق الفقيرة كما هو كذلك في المناطق التي تضم الأقليات العرقية من أفريقيا، وآسيا، وغير ذلك من الأقليات الأخرى.
وفي إيطاليا، كان لانتشار الفيروس الفتاك أكبر الأثر في إقليم «لومباردي»، وهو من أغنى المناطق في الشمال الصناعي للبلاد. ولكن خلال الأسبوع الماضي، شهدت بلدة «موندراغون»، التي لا تبعد كثيراً عن مدينة نابولي في جنوب إيطاليا، ارتفاعاً كبيراً في حالات الإصابة بالفيروس، وذلك في مجمع سكني كبير يضم مجموعة من المهاجرين من بلغاريا الذين يعملون في وظائف زراعية موسمية ومؤقتة. ولم تفرض الحكومة الإيطالية حتى الآن حالة الإغلاق العام في البلدة، ولكنها أرسلت وحدات من القوات المسلحة لوضع ذلك المجمع السكني الكبير تحت الرصد والمراقبة الصارمة. وتحتل بلدة «موندراغون» أعلى مرتبة على نسبة 10 في المائة من المدن الإيطالية التي تضم أكبر نسبة من المهاجرين، وتحتل أدنى مرتبة على نسبة 10 في المائة من المدن التي تملك أعلى نصيب للفرد من الدخل المحلي.
ومثل هذه المجموعات من حالات الإصابة بالفيروس قد ظهرت في اليونان، والبرتغال، وهي البلدان التي حققت نجاحاً ملحوظاً في احتواء انتشار الوباء. وفي اليونان، جرى تطبيق «الإغلاق الذكي» المحلي المحدود على بلدة «إيكينوس» في شمال البلاد، والتي تعتبر موطناً لكثير من أبناء الأقلية المسلمة في البلاد. في حين أن الـ19 حياً في منطقة لشبونة في البرتغال قد تعرضت جميعها للإصابة بالفيروس. ومن المعروف عن هذه الأحياء أنها موئل مجموعات من المهاجرين الفقراء للغاية والوافدين من القارة الأفريقية بصفة خاصة.
وهناك العديد من التفسيرات المعقولة لحالات الانتشار المحلية للوباء. ربما يكون بعض المهاجرين حاملين للفيروس من بلدان أخرى لم تنجح في احتواء الفيروس لديها بعد. وربما تكون أسوأ حالات الإصابة موجودة في المجتمعات الأكثر فقراً والأسوأ من حيث إمكانات الوصول إلى الرعاية الصحية اللازمة، مع انعدام الوعي والفهم السليم لخطورة الفيروس وكيفية الحماية والوقاية منه. وربما يتجنب بعض الأشخاص الخضوع لاختبار الإصابة أو السعي وراء العلاج عند الإصابة بسبب الخوف من دخول الحجر الصحي، وبالتالي فقدان وظائفهم وموارد رزقهم. وفي بلدة «موندراغون» الجنوبية الإيطالية، فرت مجموعة من الأفراد الذين تأكدت إيجابية إصابتهم بالفيروس لهذا السبب وحده.
تدفع الحكومات الأوروبية المختلفة حالياً ثمناً باهظاً للغاية لسنوات مطولة من إهمال هذه المجتمعات المحلية الفقيرة، والتي توفر في أغلب الأحيان موارد العمالة الرخيصة للغاية. ولقد أتاح ذلك تراكم مجموعة موسعة من عدم المساواة، من حيث إمكانات الوصول لخدمات لا غنى عنها مثل التعليم، وفرص العمل، والحصول على المسكن المناسب، والرعاية الصحية، والتي كانت على الدوام تهدد الازدهار والتماسك الاجتماعي لمختلف البلدان الأوروبية. يدفع فيروس كورونا المستجد حالياً بهذه التباينات الصارخة إلى سطح الأحداث مرة أخرى، غير أن هذه المرة يشير إلى كيف يمكن لنقاط الضعف المجتمعية غير المنتبه إليها أن تشكل تهديداً كبيراً على الصحة العامة أيضاً.
وهناك مخاطر أخرى تتمثل في أن تسبب حالات انتشار الفيروس القاتل انقسامات عميقة بين سكان البلاد بصفة عامة. ففي بلدة «موندراغون» الإيطالية، شاعت الاضطرابات بسبب اتهام بعض السكان المحليين للمهاجرين بأنهم لا يحترمون قواعد الحماية والوقاية الشخصية ويتعمدون نشر الفيروس بين جموع السكان. وفي محاولة للاستفادة من الأوضاع الراهنة سياسياً، قام ماتيو سالفيني، زعيم الحزب اليميني المتطرف، بزيارة المنطقة المنكوبة بالفيروس في مسيرة حاشدة خلال الأسبوع الحالي، ولكنه اضطر إلى التوقف والعودة عند مواجهة مسيرة أخرى مناوئة من تيار اليسار.
يتعيَّن على الحكومات الأوروبية تحقيق حالة من التوازن الصعبة للغاية. إذ يجب عليهم الاستمرار في إطلاع المواطنين على المواقع التي ينتشر فيها الفيروس بصورة كبيرة، ولكن يجب عليها في الوقت نفسه القيام بذلك من دون تقويض خصوصية المواطنين أو تعمد تشويه سمعة مجموعات كاملة من المواطنين، لا سيما الأكثر فقراً وضعفاً من جموع السكان. كما يتعيَّن على الحكومات العمل بوتيرة سريعة في توفير الرعاية الصحية والدعم المطلوب لذلك.
تقدم هذه الأزمة الراهنة تذكيراً مهماً للغاية بشأن العديد من حالات الإخفاق في التكامل الاقتصادي والاجتماعي عبر مختلف البلدان والمجتمعات الأوروبية. وسوف يكون من العسير للغاية التعامل مع هذه المشكلات وعلاجها في وقت يتسم بانعدام الأمن على نطاق كبير وواسع الانتشار.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة