أميركا بين ديباجة الاستقلال والواقع الراهن

أميركا بين ديباجة الاستقلال والواقع الراهن

الثلاثاء - 16 ذو القعدة 1441 هـ - 07 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15197]

إن كنت من الذين سئموا من سياسات المظالم الأميركية، وفاض بك الكيل من الخلط المستمر بين الاستياء والمرارة، فإن مناسبة الرابع من يوليو (تموز)؛ (يوم الاستقلال في الولايات المتحدة) هي مجرد احتفالية الراحة المؤقتة التي ربما تحتاج إليها للفرار من ذلك. على شرط ألا تولي اهتماماً كبيراً لفاتورة المتطلبات والتغييرات الكبيرة المزمعة.
على مدار أكثر من قرنين من الزمان، تعمدت الولايات المتحدة دفن أغلب بنود إعلان الاستقلال تحت أرتال تلو الأرتال من الطموحات الكبيرة.
والجزء الذي يحظى باحتفائنا - وهو القمة البلاغية التي تعانق عنان السماء - لا يتجاوز ديباحة الإعلان. وحتى في ذلك، فإننا قلما نحتفي بالديباجة كلها. بل إنَّ جُلَّ اهتمامنا ينصب على الفقرة الثانية فحسب، التي يؤكد فيها توماس جيفرسون وشركاه ماهية الحقائق التي يملكون بديهياتها. وإمعاناً في النظر، لا يمكن الاحتفاء بالفقرة الثانية برمتها - ربما جملة أو جملتان في مقدمة الفقرة تتعلَّقان بالمساواة بين البشر، والأوقاف المقدسة، والثلاثية الأميركية المعروفة من: الحياة، والحرية، والسعي وراء تحقيق السعادة.
ولقد حازت هذه الرقعة الموجزة للغاية من الكلمات المكتوبة قروناً تلو القرون من الإشادة والثناء. فإنها مصدر الإلهام، ومصدر الرفعة، ومصدر الهوية الحقيقية. ولقد أرست - في يوم الاحتفال بتوماس جيفرسون - أسس المعايير الثورية للكرامة الإنسانية - وإن كانت عبر أنساق غير متسقة على اعتبار الطبقات الممزقة بمنتهى القسوة ضمن نسيج الأمة الأميركية الجديدة. وتواصل طموحات إعلان الاستقلال فائقة السمو عبر جملة أو جملتين أخريين. ثم بعد ذلك يأتي السيل العرم الصادم.
فالجزء المتبقي من إعلان الاستقلال، وهو الجزء الأطول إلى حد كبير، عبارة عن عارضة من الشكاوى، والاحتجاج القاسي المرير ضد سلسال طويل من الانتهاكات والاعتداءات، إلى تكرار مجريات الأذى والألم ضد رعاياه الأميركيين ذوي المآسي الموجعة والمعاناة الطويلة والآلام العميقة والصراخ الشديد.
وسواء كان الاحتجاج على وحشية الشرطة أو قرون من المظالم العرقية، أو الأنين والتأوه عبر تغريدات «تويتر» من قلب المكتب البيضاري في البيت الأبيض، فإن المواطنين الأميركيين المعاصرين لا يعرفون شيئاً البتة عن المستعمرين الغاضبين. لقد استشاطوا غضباً ضد العدو الذي نهب البحار، واجتاح السواحل، وأحرق المدن، ودمر حياة الناس. إذ يقف إعلان الاستقلال في وجه المرتزقة الذين أرسلوا لاستكمال أعمال الموت، والخراب، والطغيان، التي كانت قد بدأت بالفعل من خلال ظروف بالغة القسوة، ومجريات الغدر، التي لم توازِها أعمال هي أكثر وحشية في تاريخ العصور الوحشية القديمة.
كان هناك كثير من الفوضوية والهمجية. كان المؤلف الأول لإعلان الاستقلال، الذي كان عقله حراً في التجوال، بينما كان عبيده يهتمون بمباشرة أعماله التجارية، مزدرياً ومستاء للغاية من الدولة البريطانية لدرجة أنه قد تخلى تماماً، وفي وقت وجيز، عن ذوقه الإنجليزي الراقي، فقط كي يثبت لنفسه هويته الوطنية الحقيقية التي يمكن أن تستمر على قيد الحياة بالأسلوب الأميركي الجديد.
وليس من المستغرب أبداً أن تلك الأيادي المعتادة على الثروة والحياة الفاخرة كانت مكبلة بقوة وقسوة. فلقد كان أولئك الموقعون على الإعلان يخاطرون بمواجهة الموت، وسرعان ما واقعوه بأعينهم. ولكن على الرغم من غضبهم الشديد، ورهانهم الكبير، فإن مظالمهم سرعان ما تلاشت أدراج الرياح. ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تحل الألعاب النارية والمسيرات الحافلة محل الانتهاكات والاعتداءات في الرابع من يوليو (تموز). وفي اليوبيل السنوي لإعلان الاستقلال، في عام 1826، كان هناك سيل عارم من تهنئة الذات مع القليل للغاية من الغضب في الذكريات. وفي أوقاتنا المعاصرة، كان الهدف لغضب الآباء المؤسسين الشديد قد تحول إلى ما يشبه الكوميديا الترفيهية اللطيفة.
والآن، كل ما تبقى لدينا لا يتجاوز لُب المسألة: وهي عبارة عن رؤية أخلاقية عابرة، ومحفز طفيف لإعادة تصور الموقف الإنساني الأول. وأرست تلك الرؤية الأساس لإقامة الأمة الأكثر عدالة وإنصافاً. وبات المحفز الطفيف مجرد ذكرى بأن القيمة الإنسانية التي أكد الآباء المؤسسون على بديهيتها لم تعد بديهية، ولا حتى واضحة على الإطلاق - على الأقل من خلال طرق ووسائل وسبل الأمة الحديثة.
وتعدّ تلك الرؤية وهذا المحفز أبرز ما يميز الاحتجاجات ضد الظلم من الشكاوى الفاسدة من البيت الأبيض. وتسعى الرؤية راهناً إلى تحقيق الحقيقة البديهية الأولى، في حين يسعى المحفز إلى مزيد من الانغلاق والتقوقع حول الذات. وباتت الشكاوى ترتكز على دعوة واحدة كبرى باتت بالنسبة إلى السواد الأعظم من المواطنين الأميركيين، هي كل ما يتذكرونه من مجريات إعلان الاستقلال:
«نحمل تلك الحقائق ليكون من البديهي أن كل البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقاً معينة غير قابلة للتصرف، وأن من بينها الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة».
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة