جدل ارتداء الكمامات

جدل ارتداء الكمامات

الأربعاء - 3 ذو القعدة 1441 هـ - 24 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15184]

ما زال لدى العلم الكثير ليقوله حول جدوى ارتداء الكمامات الواقية ومدى فاعليتها، في وقف انتشار فيروس كورونا المستجد، بيد أن الكثير من تلك الأطروحات العلمية قد شابها التشوه، وربما التلف، إثر مزيج غير مفيد من الانقسامات الحزبية، والقصص الإعلامية المثيرة للعاطفة، وحالة عامة من انعدام الثقة، والأخبار المزيفة من هنا وهناك، والتخلي عن المثالية، حتى تحولت إلى عدو قائم للخير.
لا يمكننا اعتبار الدراسات التي أجريت حول الكمامات الواقية حاسمة أو نهائية بصورة واضحة، لكن هذا الأمر هو من التقاليد المعهودة لدى الكثير من القضايا التي تنطوي على المخاطر الصحية في كل مكان – من التلوث بالزئبق وحتى فحوص مرض السرطان. ولا يزال من الأفضل اتخاذ القرارات بالاستناد إلى مجموعة غير مكتملة من الأدلة والبراهين بدلاً من تجاهل الأمر برمته. وفي مثل هذه الحالة، لا ضير من إضافة قدر من الوعي بالظروف المحيطة والحس المجتمعي السليم.
اتخذ مجتمع الصحة العامة في بادئ الأمر خطوات خاطئة للغاية من خلال المشورة بعدم ارتداء الكمامات الواقية تماماً ثم الانقلاب المفاجئ على الذات والنصائح المتعددة بضرورة عدم مغادرة المنازل من دونها. ومما يزيد من تعقيد الصورة العامة لدى المواطنين ذلك المزيج العجيب من التوجهات الفردية لمختلف الأشخاص. لا يزال جانب كبير من الجماهير يخشى من الفيروس ومن انتشاره، ويرغبون في الحفاظ على سلامتهم الشخصية بأي وسيلة ممكنة، وهناك البعض الآخر من الذين قد اعتادوا المخاطرة بأنفسهم وبسلامتهم الشخصية، غير أنهم يريدون الحصول على بعض الإرشادات الخفيفة بشأن كيف يمكن أن يكونوا مواطنين صالحين – أو على أقل تقدير النظر إليهم بأنهم كذلك في عيون الآخرين.
عكست بعض الدراسات المقنعة بدرجة معقولة أن ارتداء الكمامات الواقية يساعد في وقف نفاذ بعض الجسيمات متناهية الصغر التي ربما تحمل فيروس كورونا من أفواه الناس ممن حولنا. تشير تلك الدراسات إلى مقدرة الكمامات الواقية على حماية الآخرين. ثم هناك دراسات أخرى قائمة على الرصد والملاحظة تبحث في استخدامات الكمامات الواقية في العالم الحقيقي.
نشرت مجلة «لانسيت»، في الأول من يونيو (حزيران) الحالي، تحليلاً لعدد 172 دراسة من هذا النوع، ولقد جرى إجراء الكثير منها في مراكز الرعاية الصحية المختلفة. وخلصت إلى أن ارتداء الكمامات الواقية، بالإضافة إلى حماية العينين واحترام التباعد الاجتماعي، من شأنه الحد من انتشار الفيروس، على الرغم من اعتراف القائمين على هذه الدراسات بأنهم على درجة عالية من عدم اليقين العلمي إزاء ذلك.
وظهرت دراسة أخرى مؤيدة لضرورة ارتداء الكمامات الواقية من خلال رصد اتجاهات انتشار الفيروس في مدينة ووهان ومدينة نيويورك. غير أن بعض الباحثين الآخرين قد وقفوا على بعض العيوب في تلك الدراسة التي نشرتها دورية «الأكاديمية الوطنية للعلوم». وأشار التأخير لمدة أسبوع إلى أسبوعين بين العدوى الفيروسية وبين نتائج الاختبارات إلى أن العدوى في نيويورك قد تراجعت بصورة ملحوظة، قبل أن تتحول الكمامات الواقية إلى ضرورة إلزامية. وطالب بعض الخبراء بسحب الدراسة المذكورة.
وعندما ظهرت الكثير من التغيرات في سلوكيات المواطنين في الآونة ذاتها، قد يكون من المحال الربط بين أي من هذه التغييرات، وبين الارتفاع أو الانخفاض في أعداد حالات الإصابة المسجلة.
ولا يعني هذا أن المعلومات الواردة في تلك الدراسات غير ذات فائدة على الإطلاق. ولقد أشار الدكتور ميوج سيفيك، اختصاصي الأمراض المعدية، إلى أن ارتداء الكمامات الواقية لا بد أن تشير إليه دراسات أخرى عدة تتعلق بكيفية انتشار الفيروس. وبدأ إجماع الآراء في التكون أخيراً بشأن وجود مخاطر طفيفة بالوجود في الهواء الطلق بعيداً عن الآخرين، وأن اللقاءات القصيرة للغاية بين الناس لا تشكل خطراً كبيراً عليهم، مثل الأشخاص الذين يتقابلون أثناء المشي، أو الركض، أو ركوب الدراجات.
ومن شأن الحس المجتمعي السليم الإشارة إلى أنه إذا كان النشاط لا يشكل إلا خطراً طفيفاً للغاية، فإن ارتداء الكمامات الواقية لا يوفر إلا فائدة ضئيلة، وينبغي حينذاك أن يكون ارتداؤها اختيارياً.
من جهة أخرى، هناك وقائع الانتشار الكبير المحتملة – في أي مكان يحتشد فيه الناس في الداخل، لا سيما مع توافر الالتقاء الوثيق المباشر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المسيرة التي دعا إليها الرئيس ترمب في ولاية أوكلاهوما. وهناك، يشير المنطق السليم إلى أن مثل هذه الفعاليات لا ينبغي تنظيمها على الإطلاق في الآونة الراهنة.
ثم لدينا وسيلة الحل الوسط. فمن شأن ارتداء الكمامات الواقية أن يرجع بفائدة كبيرة في الأماكن التي تتقلص فيها خيارات الناس، ويكونون مضطرين إلى التفاعل بين بعضهم بعضاً داخل الأماكن المغلقة – مثل التسوق في متاجر البقالة، أو استقلال وسائل النقل العامة، أو المشاركة في ركوب السيارات، أو الذهاب إلى صالونات تصفيف الشعر، أو الذهاب لزيارة عيادات الأطباء.
وهناك أيضاً تلك الفئة الوسطى التي يتجمع الناس في الأماكن المفتوحة ضمن مجموعات كبيرة – على غرار الاحتجاجات الشعبية. فإذا ما ارتدى أغلب المشاركون في الاحتجاجات الكمامات الواقية في الأوقات كافة، فمن شأن ذلك الإقلال من انتشار عدوى الفيروس فيما بينهم.
وأشار الدكتور سيفيك، الذي يعمل لدى جامعة سانت أندروز في المملكة المتحدة، إلى أن قاعدة التباعد الاجتماعي لمسافة 6 أقدام بين المواطنين يسهل تطبيقها تماماً في الأماكن المفتوحة، في حين أن الأماكن المغلقة سيئة التهوية قد تساعد على تراكم جزيئات الهباء الجوي مع تعرض الناس لمخاطر العدوى، حتى وإن لم يقتربوا من بعضهم بعضاً بصورة وثيقة. كما أن طول فترة التعرض له أهميته الكبيرة كذلك؛ ولذلك فإن سائقي الحافلات العامة، وعمال صالونات تصفيف الشعر، وموظفي المتاجر والمحال، يواجهون الكثير من المخاطر أكثر بكثير من العملاء الذين يترددون عليهم بصفة يومية. ومن المرجح أن تنخفض مخاطر الإصابة بالعدوى لديهم مع الاهتمام بارتداء الكمامات الواقية يوميا.
ثم هناك فئة الأنشطة المثيرة للمشاكل، مثل الجلوس لتناول الوجبات في المطاعم، والتي لا يمكن فيها المحافظة على ارتداء الكمامات الواقية بصورة مستمرة؛ إذ يكون من المزعج للغاية لدى رواد المطاعم نزع الكمامة ووضعها ثانية مع كل قضمة يتناولونها من الطعام. يقول بعض الخبراء، إنَّ مثل هذا العبث القائم إزاء ارتداء الكمامات الواقية سوف يؤدي إلى سرعة انتشار الفيروسات التي التقطتها تلك الكمامات من هنا أو هناك. وفي حلٍ وسط لتلك المشكلة، سمحت الكثير من المطاعم للرواد بالجلوس في الأماكن الخارجية المفتوحة، مع السماح بنزع الكمامات الواقية أثناء تناول الطعام. كما تشكل صالات الألعاب الرياضية وصالات اليوغا التحديات المماثلة لدى روادها.
تبدو المخاطر ذات الصلة بالتواصل الوثيق والحشود الكبيرة واضحة، وجلية، وبديهية. ومع ذلك، تركزت اهتمامات المواطنين الأميركيين على الاحتمال غير المرجح بأن الجرعات المعدية من فيروس كورونا المستجد، قد تتطاير من ركاب الدراجات أو تتسلل عبر مختلف العبوات التي يبتاعونها. وللرد على ذلك، انتهج بعض المواطنين ممارسات غير معقولة ولا هي مفهومة، مثل المداومة على ارتداء الكمامات الواقية أثناء ركوب الدراجات أو قيادة السيارات مع نزعها للأسفل أثناء الوجود في التجمعات أو حين الحديث والدردشة مع الناس!
وليس من المستغرب أن تزيد السياسات من ترسيخ هذه المسألة، مع اعتبار النبرة المعنوية الشائعة والمتعلقة بممارسة ارتداء الكمامات الواقية، فضلاً عن مختلف الرسائل المنتشرة عبر مختلف وسائل الإعلام التقليدية أو المحافظة. وفي الولايات المتحدة، هناك شريحة صغيرة من المواطنين الذين لا يتخلون عن ارتداء الكمامات الواقية طوال الوقت وفي كل الأماكن، وهناك شريحة أخرى منهم لا يرون فائدة من ارتداء هذه الكمامات الخانقة على الإطلاق. وسوف يكون من الأفضل للجميع لو أنهم تخيَّروا ارتداء الكمامات الواقية في المواطن التي يفيدهم ارتداؤها كثيراً.


- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة