طوفان الكراهية

طوفان الكراهية

الجمعة - 27 شوال 1441 هـ - 19 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15179]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

ليست المرة الأولى التي يحذر فيها الأمين العام للأمم المتحدة من مغبّة ارتفاع منسوب الكراهية. فما كان ظاهرة قبل الوباء، أصبح «طوفاناً» جارفاً بعده. من أميركا إلى أوروبا، مروراً بمنطقتنا، التي تغلي فيها الدماء، وصولاً إلى الهند والصين، يرتفع منسوب العنصرية، والحقد، وتبادل الشتائم وأعمال العنف والشغب والتكسير والقتل، وثمة من ينذر بحرب عالمية لا بد ستندلع، لتنفيس فيض العدوانية البشرية المتنامي.
تأتي الأزمة الاقتصادية بعد الخروج من قمقم الحجْر، لتصبّ زيتاً على نار القلوب المستعرة. لكنّ الملاحظ أن الغلّ الإنساني أخذ يتفجّر، منذ جلس الناس في منازلهم. وبدل أن يعودوا إلى صفاء الذهن ونقاء السريرة، تفتق الشر في النفوس وهي في عزلتها، فتزايدت الجرائم المنزلية، وعجّت وسائل التواصل الاجتماعي بالشتائم، والتقاذف، والاتهامات. وأحصى برنامج رقمي فرنسي نسبة العنف اللفظي، منذ بدء الحجر، على تطبيقي «فيسبوك» و«تويتر» ليجد أنها قد ارتفعت بما نسبته 60 في المائة عن الفترة التي قبلها، مما قرع جرس الإنذار، واستدعى إقامة منصة مراقبة، هدفها التخفيف من سيل الكلمات البذيئة والشتائم التي زادت هي وحدها 30 في المائة. وانضم إلى تطبيق «بودي غارد» لحماية من يهاجمون على وسائل التواصل، آلاف المحتاجين للحماية، وبينهم سياسيون وصحافيون وأطباء، وفنانون.
لا يوفر الحقد أحداً. كل يبحث عن آخر ليرى فيه غريماً. المهمة سهلة ما دام أنه لا يوجد اثنان يشبه أحدهما الآخر حد التطابق على هذه البسيطة. وجد البيض في الصفر عدواً جاء لهم بالمرض والموت، لم يميزوا بين إندونيسي وصيني وماليزي، فكلهم سواء. ومن الطرافة المبكية أن يستشرس اليابانيون على الصينيين في طوكيو حد البصق في وجوههم، ووصفهم بالحثالة والقمامة، وجعلهم منبوذين في أحيائهم، مهجورين في مطاعمهم ومتاجرهم.
الأغرب أن يبادل أنبل الناس، وأكثرهم تضحية في هذه المحنة الكونية، بسوء المعاملة، وكأنهم الوباء يمشي على الأرض. طردت ممرضات من أحياء يسكنون فيها، وهوجم أطباء وشهّر بهم، ونظر إلى المسنين، الأضعف أمام المرض، باعتبارهم فائضاً اجتماعياً لا بأس بالتخلص منه.
وما شاهده العالم في أميركا من تحطيم ونهب وخنق، يأتي في سياق موجة وصلت إلى الصين والهند ليعاود البلدان إحياء خلافاتهما الحدودية العتيقة، وليسقط لأول مرة منذ عقود عديدة، عشرات الجنود الضحايا، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تهدئة، وكأنما الآلاف الذين قتلهم «كورونا»، لم تكف لتهدئة الأرواح المتعطشة لاستجلاب الأسى. وإن أنت نظرت إلى ما عاناه العمال الأجانب في بلداننا العربية، وأي ظلم تعرضت له العاملات المنزليات اللواتي أصبحن غير مرغوب فيهن، رغم ما قدمن للعائلات من خدمات. وفي لبنان ثمة ربات منزل رمينهن على قارعة الطريق، بعد أن هدهدن لهن أولادهن، وسهرن على راحتهن.
قد يظنّ ظان، أن الظلامة تقع على مهيضي الجناح وحدهم، لكنها طالت أحد أغنى وأقوى رجال العالم. وبدل أن يشكر بيل غيتس لثروته التي أنفقها على صحة المحتاجين، وتداركه المبكر لخطورة الأوبئة يوم كان قادة العالم مشغولين بخلافاتهم القميئة، اتهم بأسوأ ما يمكن أن يوجه لإنسان، وهو استغلاله المرض ليدس تحت جلودنا شريحة تجسسية. نقرأ ونسمع كلاماً لا يتقبله عقل، يرمى من دون براهين، أو أدنى قرينة، تبرر للمفترين إطلاق اتهاماتهم الباطلة.
حروب صغيرة في كل ركن، وعند كل مفترق، وتحت أسقف المنازل، لا تبشر بسكينة أو هدنة. مناوشات بين من يعتبر «كورونا» مجرد خدعة تافهة، اخترعها عدو، لتحقيق مآرب قذرة، ومن يرى فيه آفة خطيرة. من ينتظر اللقاح بفارغ الصبر، ويكرس للبحاثة المليارات، ومن ينسف الفكرة من أساسها ويهزء من العلم. نزاعات حد الموت بين المصرّين على ضرورة وضع الكمامة في الأماكن العامة ومن يرفضونها، ووصل الأمر بأميركيين أن يعتبروها أداة شيوعية يتوجب محاربتها.
ما دام أن الخوف مقيم والوباء منتشر، سيبقى الفيروس النهم، يخرج منا أبشع ما فينا. لم ينج بشر عرفوا وباء من شراسة ما بعده. من الجدري إلى الكوليرا، والطاعون، أوبئة جرّت وراءها سيولاً من البغضاء والحروب، وسنوات من العدوانية. الطاعون الأسود في أوروبا في القرن الرابع عشر، تسبب في موجة بغضاء لليهود ومجازر بعد أن اتهموا بحمله إلى الفرنسيين ومن ثم للإسبان وأوروبيين آخرين. هذه المرة كان المسلمون على اللائحة، وتمت التضحية بسود، وهنود وصفر. الألوان جميعها تصبح صالحة حين لا يبقى للبشري من بوصلة غير الغريزة. الوباء في رواية خوسيه ساراماغو الرهيبة الذي يتجسد في نوع من «العمى» يصيب أهل المدينة، هو قاتل للخير ومفخخ للأمل. يتحول بعض المصابين في الحجْر إلى وحوش ضارية، يستولون على الأطعمة، يتركون الآخرين يتضورون جوعاً، يبتزونهم يسطون على ساعاتهم والممتلكات القليلة التي بحوزتهم، يضربونهم، يحقرونهم، يغتصبون نساءهم مقابل بعض الغذاء. تموت الإنسانية في زمن الوباء، ولا يبقى من البشر إلا أنيابهم والمخالب. ولولا الطبيب، وهو المصاب رقم واحد، وزوجته الوحيدة التي لم تصب بالعمي، وما بقي في نفس هذه السيدة من قدرة على مقاومة الحيوانية، ربما لأنها لم تصب، وانتشالها زوجها من السقوط، وثلة من المرضى، لما رأينا في النهاية، سوى انهيار المدينة بإدارتها، وجيشها، وناسها، وكل ما فيها. زمن الوباء مسكون بالشرّ والمجون، هذا ما يقوله ساراماغو، وما تزودنا به الأخبار.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة