إسقاط تشرشل وجيفرسون

إسقاط تشرشل وجيفرسون

الخميس - 27 شوال 1441 هـ - 18 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15178]
ممدوح المهيني
المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث»

يشتكي خصوم الرئيس ترمب من أنه سيصبح ديكتاتوراً ولن يخرج من البيت الأبيض إذا ما هُزِم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. منافسه بايدن سئل مؤخراً عن احتمالية حدوث ذلك، فقال «لا تقلقوا، كبار القيادات العسكرية سيتعقبونه ويقودونه إلى الخارج».
تحول رئيس أميركي في ديمقراطية عريقة إلى زعيم متمرد مغتصب للسلطة مجرد مزحة، لكنها تفهم في سياق الصراع الانتخابي وحرب البروباغندا المتبادلة بين الطرفين. بايدن النائم مقابل ترمب الديكتاتور.
لكن القضية الأكثر جدية هي الظواهر الأخيرة التي أعقبت مقتل الشاب الأسود جورج فلويد. في هذا الوقت الذي نتكلم فيه هناك 6 أحياء محتلة في سياتل من قبل جماعات متطرفة وتسقط تماثيل وشخصيات تاريخية مبجلة بما فيها جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين.
السؤال كيف نفهمها ونفسرها؟ الأفضل أن نجيب عن الأسئلة المطروحة.
هل الشرطة عنصرية؟
هناك من يشعرون بالغضب بسبب المشاهد الأخيرة التي قتل فيها رجال شرطة بيض أشخاصاً سوداً. لكنهم يتجاهلون حقيقة أن الشرطة قتلت في عام 2019 من البيض أكثر من السود. 19 من البيض مقابل 9 من السود. من رجال الشرطة أنفسهم قتل عدد أكثر وهو 50 شرطياً، وهذا معدل سنوي. في عام 2018 قتل 7400 أميركي أسود، لكن ليس على أيادي الشرطة، بل على أيادي مواطنين سود آخرين. هناك قائمة طويلة من الأرقام التي تؤكد أن اتهامات العنصرية المنظمة داخل الشرطة غير صحيحة، لكن بالطبع هناك أشخاص سيئون في كل مكان.
هل العنصرية مترسخة ومنظمة ولم تتغير منذ عقود؟
هذه هي الحجة الثانية التي قامت عليها هذه المظاهرات الأخيرة. العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة منظمة ومؤسسة. هذه الاتهامات صحيحة قبل عقود مع نظام الفصل والتمييز اعتماداً على لون البشرة، لكن كل هذا تغير في الستينات مع الرئيس ليندون جونسون، الذي فتح صفحة مختلفة من التاريخ، وألغى كل قيود التمييز العنصري. لا توجد أي عوائق أمام أي شخص أسود ليحقق ما يريد عملياً وقد رأينا هذا يتحقق مع تزايد الناجحين من المجتمع الأسود في السياسة وقطاع المال ومجالات أخرى كثيرة. الأزمة التي يواجهها المجتمع الأسود كما يقول كبار المفكرين والاقتصاديين هي ليست العنصرية، لكن بسبب العائلة المفككة التي لم تكن عليه في الأربعينات والخمسينات. 75 في المائة من الأطفال السود يكبرون من دون وجود الأب في البيت، وهذا يدفع إلى الانحراف والجريمة والمخدرات والخروج من المدرسة والفشل اقتصادياً في نهاية المطاف، وأغلب السارقين في الأسابيع الأخيرة الذين ينهبون على مرأى العالم هم من هذه الفئة. في عام 1890 كانت العائلة أكثر تماسكاً، حيث يكبر الطفل الأسود في عائلة وبين الأب والأم الحقيقيين، أكثر من الطفل الأبيض، واستمر ذلك حتى في مرحلة العبودية القاسية. والسبب في التحول الكبير يعود إلى أنظمة الرعاية الاجتماعية في الستينات ومشروع محاربة الفقر، وهو ما عمق الأزمة بدلاً من أن يحلها... ويصف الصحافي الأسود لاري إيلدر، هذا الأمر بأن القنبلة النووية التي أسقطت على المجتمع الأسود شجعت على إضعاف العائلة، وقتلت الطموح عبر المساعدات المالية. المرأة تزوجت الحكومة والرجل تزوج الشارع.
إذا كانت عنصرية الشرطة غير حقيقية بالأرقام، وعنصرية القوانين غير موجودة والمجتمع تغير ثقافياً بشكل كبير ومشاكل المجتمع الأسود ليس بسبب التمييز كما يقولون، فلماذا إذن هذه المظاهرات العنيفة وإسقاط التماثيل التاريخية من جيفرسون وحتى تشرشل ووصفها بالعنصرية؟ كيف تغضب هذه الجموع من شيء غير موجود عملياً، بالاعتماد على الأرقام والحقائق وليس العواطف؟
برأيي لثلاثة أسباب؛ أولاً: سياسياً، لأن السياسيين الديمقراطيين ينتفعون انتخابياً، حيث يذهب 95 في المائة من صوت السود لهم. إيقاف هذه البرامج يعني خسارتهم والبديل هو تجاهل الحقائق وتعزيز الإحساس بالمظلومية. ثانياً: تعليمياً، حيث يسيطر على المدارس والجامعات في الولايات المتحدة الخطاب اليساري وينتج طلاباً صغاراً يؤمنون بهذه الأفكار ويشحنون بهذه المشاعر الغاضبة من الصغر، حيث يصعب لاحقاً تغيير الانطباعات العميقة داخلهم. وثالثاً: آيديولوجياً، الثقافة في الجماعات أنتجت بالطبع شخصيات مؤدلجة وتيارات متطرفة تسعى عملياً لتغيير طبيعة المجتمع والثقافة بشكل كامل، وتريد الآن أن تعيد كتابة التاريخ وتضرب جذور الثقافة الغربية، وذلك عبر إسقاط الرموز التاريخية وتلطيخها بالدماء ورميها في الأنهر الجارية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة