ملجأ الشعراء

ملجأ الشعراء

الجمعة - 20 شوال 1441 هـ - 12 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15172]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

من رجال الأعمال الذين لهم فضلهم على الأدب والشعر في العراق الحاج عبد الله الصراف، الذي كان بيته في النجف ملجأ ومحطة للمثقفين والمتأدبين والمتشاعرين. ولكن زيارة خاطفة طارئة نزلت عليه كالصاعقة في منتصف الليل عندما طرق بابه رهط منهم. كان بينهم د. جليل العطية، ومحمود الحبوبي، والشيخ محمد الخليلي، والشيخ محمد علي اليعقوبي. وجدوا أنفسهم جميعاً تحت رحمة عاصفة ممطرة أحالت دروب المدينة إلى بحر من الوحل والطين. لم يجدوا مخلصاً لأنفسهم غير الالتجاء إلى الحاج الصراف.
ما أن فتح الباب حتى ذهل أمام هذا المشهد غير المتوقع، ولكن الدكتور جليل العطية كان قد استعد لهذا اللقاء، فبادره بـ3 أبيات...


جئناك نسرع زائرينا * * * تحت الدجى متسللينا
جئناك قد ملأ الغمام * * * دروبنا ماء وطينا
جئنا فهيئ مجلساً * * * نرتاده حيناً فحينا


عرف الرجل أنه وقع في مقلب. ولكنه قبل أن يتنحنح بكلمة أو أخرى، عاجله السيد محمود الحبوبي بصاروخ شعري آخر قطع عليه أي خط رجعة أو اعتذار...


أبا عطارد دامَ بَيْـ * * * ـتُكَ مَجْمَعَاً للسامرينا
إِنْ غِبْتَ عنّا ساعة * * * زِدْنا إلى اللُّقيا حنينا


لم يبق للسيد الصراف غير أن يفتح بابه على مصراعيه، ويرحب، ولو على مضض، بالضيوف على غير موعد. أوسع لهم المجلس، وأمر بإحضار الشاي والكعك. وفي هذه الأثناء، واصل الشيخ محمد الخليلي نسق ذلك الشعر والقافية، فقال...


كنا نسيرُ بضوء شَوْ * * * قٍ سَاقَنَا لَكَ مُسرعينا
خلتِ الدروب فما نُشَا * * * هِدُ غَيْرَنَا مِن عابرينا


أخيراً، حضر الشاي، ولكنه ما أن لمحه أحدهم حتى تفتحت قريحته كذلك...


الشاي أجملُ ما يَكُو * * * نُ هَدِيَّةً لِلزّائرينا
لكنّهُ قبل العشا * * * يؤذي بطون الجائعينا


إذن، فعلى المضيف أن يرتب لهم عشاءً أيضاً، ففعل، وأكل القوم الكباب النجفي، وشربوا الشاي المركز، ولم يبقَ غير المبيت. فاتّكأ الحبوبي على وسادة، وأنشد...


سَقْفُ بَيْتِي حديدٌ * * * أُسُّ بَيْتِي حَجَرْ
فاعصفي يا رياحُ * * * وانهمرْ يا مطر


بهذين البيتين، أعلن الشاعر ملكيته للبيت، وكل ما فيه من حديد وحجر. وانبرى الخليلي ليدعم دعواه...


ليت أن الرياح * * * سوف تبقى شَهَر
فأنا ها هنا * * * لا أحس الخطر


لقد أسقط بيد الصراف، ولم يعد له غير أن يأمر بإعداد الفراش والمبيت للشعراء واحداً واحداً. ويضع على شفتيه ابتسامة الرضا، ويعبر عن بهجته، شاء أم أبى...


أيها القادمون نحونا في المطر * * * كل فعل لكم دائماً مبتكر
كنت وحدي جالساً والضجر * * * فتفضلتم... يا لَحسنِ القدر
سوف يحلو بكم ليلنا والسهر!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة