جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

تجاعيد السياسة على وجه الكبار

تداعياته فاقت تأثير الحروب، لا أحد يعرف متى سينتهي فيروس كورونا (كوفيد – 19) الذي أربك حسابات الكبار، وترك بصمته على الجميع. العالم أضحى على ذمة المستقبل.
في الحرب العالمية الثانية، كان بإمكانك تقدير قوة «الحلفاء»، أو قوة «المحور»، ومن ثم قراءة النتائج. الآن «كورونا» لم يمنح الفرصة لأحد بالتنبؤ، أي من هذه الدول العظمى سيكون الحصان الرابح. الجميع يشعر بالعجز أمام التعامل معه.
طائرات «إف 35» الأميركية لم تشفع لأصحابها في دكّ حصون الفيروس، وصواريخ «كليبر» الروسية لن تفلح في النيل منه. الوباء اللعين أسقط أوراق التوت، وبدأ اللعبة من جديد، تداعياته قاسية، ومؤلمة، تجاعيد السياسة ترسم خريطة القوى العظمى، الضربات الاقتصادية لم تستثنِ أحداً. الفواتير باهظة التكاليف، نظام سياسي جديد ممهور بتوقيع «كورونا».
البيت الأبيض لا يزال يقاتل حفاظاً على الصورة الذهنية للولايات المتحدة. الوباء لم يستأذن في دخول بلاد العم سام، الصدمة جاءت اقتصادية وسياسية، التوقيت أبداً لم يكن مناسباً، الرئيس الأميركي دونالد ترمب على بعد أمتار من معركة انتخابية جديدة. «كوفيد - 19» وحّد أوجاع العالم، لا فرق بين قوى عظمى، وأخرى نامية. الجالسون على الطاولة المستديرة في البيت الأبيض لم يملكوا عصا سحرية، ولم ينجوا من خطر المخالطين. المعركة صعبة، والتوقيت أصعب. الخيارات تضيق أمام ترمب، الديمقراطيون يسابقون الزمن لهزيمته بالضربة القاضية، «السود» ورقة يتم استخدامها لمزيد من الفتنة، وتأزيم المشهد، واشنطن باتت عاصمة مشتعلة بنيران الوباء والسياسة والاقتصاد. علامات استفهام تطرح نفسها؛ هل تظل الولايات المتحدة في الصدارة؟ وهل تستمر في قيادة العالم؟ وهل يظل الدولار الأميركي شعرة معاوية التي تربط تعاملات العالم؟
الخيارات تزداد تعقيداً في إدارة عالم ما بعد «كورونا»، هل تتعامل واشنطن بخيار ترمب الذي يعتمد على إضعاف الاقتصاد الصيني، أم أنها تستدعي آلية جيمي كارتر التي تنحاز لاحتواء الصين، أم أن الظرف السياسي الدولي الحالي يفرض العودة إلى رؤية كيسنجر بزرع الخلاف بين روسيا والصين؟
كل الشواهد تقول إن الولايات المتحدة ستخرج من هذه المعركة تعاني من كسور وتهشمات، بل تحتاج إلى وقت ليس بالقليل لاستعادة عافيتها.
في روسيا، المعادلة الاقتصادية تفرض صياغات جديدة على رجل «الكي جي بي» فلاديمير بوتين. ذاكرة الكرملين تحتفظ بأن التدهور الاقتصادي كان وراء انهيار الاتحاد السوفياتي، تجربة القياصرة مع الماضي قاسية، والحاضر يفرض حكمة بالغة في التعامل مع المستقبل. انهار حلف وارسو، وتفكك الاتحاد السوفياتي، استطاع بوتين منذ توليه المهمة أن يجلس في مقعد يوازن مقعد الولايات المتحدة، ونجح في أن يخلق لبلاده وضعاً سياسياً متميزاً أمام العالم، تأثيرات «كورونا» قلبت الطاولة، لم يعد الكرملين والبيت الأبيض طرفي التفاوض حول مصير القوة. المعركة صارت بعنوان «التنافس الأميركي - الصيني». كل وقت له أذان، «كوفيد - 19» له قوانينه وأدواته. التراشق بين ابن الرأسمالية الأميركية، وابن «الفلاح» الصيني صار على الملأ. شيء ما يلوح في الأفق. توقعات باندلاع حرب صينية - أميركية. في هذا التوقيت يتوقف قطار التاريخ أمام محطة الحرب الباردة التي عاشتها واشنطن وموسكو منذ عام 1945 حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
أوراق اللعبة تتبدل، مسارات قوى جديدة، من يسبق الآخر إلى مقعد الصفوف الأولى، موسكو أم بكين؟
«الماويّون» ضاق بهم الحال من فرط اتهامهم بتخليق الفيروس، الأيام كفيلة بكشف الحقائق، صاحب المناعة الأقوى اقتصادياً سيصمد أمام هذه المتغيرات العظمى. الصين يصل ناتجها القومي إلى 13.4 تريليون دولار، أي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، التي تمثل «فاترينة» الاقتصاد العالمي بـ20.5 تريليون دولار، بينما الناتج القومي الروسي لا يزيد على 1.6 تريليون دولار. الأرقام مؤشر قوي. يخطئ كثيراً من يطلق أحكاماً من دون تقدير دقيق. موسكو لن تخرج من حلبة الصراع، لكن من الصعب أن تفوز بالقاضية، ستتحالف مع بكين ولن تقبل الجلوس خلفها. التعامل بينهما حذر بطبعه، الطرفان تعلما الدرس جيداً من حربهما عام 1969.
لا أحد ينكر أن الحروب والأوبئة صاحبة الكلمة الأولى في إعادة ترتيب القوى، أمام الحرب «الكورونية» الجميع في «ورطة»، الدول لم تكن تتوقع ما حدث، وبالتالي لم تكن مستعدة لمواجهته. إشارات الواقع تقول إن الصين نجحت في إحداث نقلة اقتصادية كبيرة تجاوزت بها ألمانيا واليابان، فضلاً عن القفزة العسكرية التي حققتها، ولا سيما أنها أنفقت 265 مليار دولار على التسليح في ميزانيتها الحالية، وهذا النمو العسكري الصيني ربما أصاب الولايات المتحدة بالقلق الشديد. وما زاد من فرص صعود التنين الصيني هو القدرة السريعة على مكافحة فيروس «كورونا»، واستعادة الحياة من جديد بشكل جعل الصين تسبق غيرها من الدول. في المقابل، صارت بكين على جدول أعمال الدول المتضررة لحين أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في موازين القوى.
الأوراق تتداخل، الوباء لم يترك أحداً يمر بسهولة، من يتقدم الصفوف هو الذي يفكّ شفرة الفيروس اللعين. صراع النفوذ يشتعل تحت الرماد.
لم تكن ملامح الاتحاد الأوروبي بعيدة عن تجاعيد الشيخوخة السياسية التي نالت من الكبار، ففي ظل تأثيرات «كورونا» تراوده مخاوف من انفراط عقده، ولا سيما أن الثقة التاريخية التي قامت عليها فكرة الاتحاد لم تعد قائمة، دول الجنوب الأوروبي مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان تشعر بمرارة تخلي الدول الغنية مثل ألمانيا وهولندا والنمسا عن مساعدتها في مواجهة الجائحة، وهذه الدول الغنية رفضت إصدار «سندات كورونا» بتريليون دولار لمساعدة دول الجنوب، وهذا ما دفع بعض الأحزاب السياسية في إيطاليا للمطالبة بالخروج من الاتحاد الأوروبي علي غرار «البريكست».
إذن لا تزال تفاعلات «كورونا» مستمرة، السباق غير معروفة نتائجه، المقاعد الأولى قابلة للتغيير، وجميع السيناريوهات مفتوحة، بما فيها سيناريو الحرب «الساخنة»، وليس فقط «الباردة». تجاعيد السياسة تكشف أزمة الكبار.