البورصة الكورونية ـ الكونية

البورصة الكورونية ـ الكونية

الأحد - 1 شوال 1441 هـ - 24 مايو 2020 مـ رقم العدد [15153]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

باتت «كورونا» مثل بند في لوائح البورصات التي تعرض الفضائيات نشرات إخبارية حولها، وبتنوع سهل وممتنع ومانع في الوقت نفسه، تتميز به قناة «العربية» التي باتت «فضائية العرب في العالم»، كما حال «الشرق الأوسط» صحيفة العرب في عالمهم، وجريدتهم في دول كثيرة من العالم. فعلى مدار الأربع والعشرين ساعة هنالك بضع دقائق في كل نشرة أخبار، أرقام حول الربح الضئيل، بمعنى النجاة من الفيروس، وأرقام حول الوفاة، وهي كثيرة. وأما أرقام الإصابة فإنها الأكثر.
وما تتميز به «بورصة كورونا» أنها أممية من القطب إلى القطب، كون هذا «الفيروس» البالغ الشراسة يتحرك كما لو أنه في رحلة حول العالم غير محددة النهاية؛ إلا إذا تحققت إحدى الخطوتين، كأن يتم استيلاد اللقاح، وبذلك تبدأ «بورصة كورونا» بالانكفاء بالتدرج لتحل محلها بورصة الكوارث الاقتصادية المتعددة الأنواع، وأيضاً على مستوى العالم كله. فالذي أحدثتْه «كورونا» لم يسلم منه قطاع اقتصادي وتجاري ومالي وسياحي وتربوي وجامعي، ناهيكم عن قطاع السفر الذي يشق طريقه إلى الانكفاء، وبحيث لن تعود هذه العشرات الألوف من الطائرات المدنية التجارية تتقاسم أجواء القارات الخمس على مدار الساعة ليل نهار، كما حالها من قبل الغزوة الكورونية.
إلى جانب خطوة استيلاد اللقاح الذي يمكن أن يُنجِّي مَن لم تصبهم «كورونا» حتى الآن، هنالك الخطوة المهمة الأُخرى؛ بل لعلها الأهم، وهي الوقوف على سر هذه الجرثومة، وهذا لن يكون بالردح السياسي والاتهامات عبْر الأثير، وإنما باستصدار قرار أممي من مجلس الأمن، يجيز لفريق يمثل الدول الخمس الدائمة العضوية، ومعه مَن يمثل منظمة الصحة العالمية، تفتيش المختبرات المتقدمة في كل دول العالم دون استثناء، تماماً كما حال التفتيش المتعلق بالسلاح النووي. ومثل هذا التفتيش سيوصل ولا بد إلى نتائج، ربما مؤكدة، أو على الأقل إلى استنتاجات في شأن أمور خافية حتى الآن. ثم إن أي دولة لا توافق على دخول فريق التفتيش الأممي على مختبراتها تصبح موضع شبهة، وهذا يتيح المجال أمام وضْع اليد على سر هذه الجرثومة، وهل هي بفعل وطاويط الصين التي خرج الرئيس ترمب على رصانة التخاطب عند إعلانه على الملأ بأنه لن يتحدث مع رئيسها؛ لأنه خيَّب أمله فيه. وترمب هو نفسه الذي سبق أن آخاه ليدرأ به قيصرية فلاديمير بوتين الذي طالما كانت له إصبع في لعبة الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وحتى الآن يُكثر ترمب من الظهور الاستعراضي المقرون بآمال يعقدها على استيلاد أميركي للقاح، يتباهى به أمام العالم بأنه أنقذ البشرية من إفناء محتمل. ومثل هذا السعي أمر يُحمد عليه؛ لكن يبقى التشاور مع أقرانه الصيني والروسي والبريطاني والفرنسي وآخرين، من أجْل تفتيش المختبرات، مسألة ضرورية؛ كونها - لا بد - توصل إلى نتيجة، أو ربما إلى الحاضنة التي نما وترعرع فيها «الفيروس»، ثم بدأ بعد ذلك تسويقه الشرير على أيدي أشرار. ومَن يرفض التفتيش على نحو ما يفعله النظام الإيراني في الموضوع النووي، يصبح متهماً ثم مداناً دولياً.
ولأننا وكما سائر بني البشر في دول العالم المهمومين بـ«كورونا» التي لا ترحم، المتابعين للسعي من أجْل معرفة مصدر هذه الجرثومة، وهل هنالك أمل في إيجاد تصنيع دواء يشفي من أصيب، أو لقاح يمنع الإصابة - كما سائر اللقاحات التي أبرزها اللقاح ضد الإنفلونزا - يوصي الأطباء بأخْذه مع بداية الخريف؛ لأننا في هذه الحال المهمومة، نستحضر من الذاكرة مواقف وتحذيرات، ونرفق ما يمكن استحضاره بالتساؤلات. ومن بين ما في الذاكرة تحذير أقرب إلى الاتهام، صدر قبل أربع عشرة سنة، وتحديداً يوم الاثنين 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، ومن رئيس الوفد الأميركي جون رود إلى مؤتمر التسلح في جنيف.
في ذلك المؤتمر ألقى المسؤول الأميركي كلمة جاء فيها أنه من المحتمل أن تكون لدى إيران أسلحة قتالية جرثومية، وأن تكون كوريا الشمالية قد طوَّرت مثل هذه الأسلحة المحظورة، وأن تكون سوريا أجرت أبحاثاً عليها. وزاد اعتقاده بالقول: «إن لدى كوريا الشمالية قدرات تسليحية بيولوجية، وربما طورت وأنتجت جراثيم لاستخدامها كأسلحة. وفي النهاية إننا نظل نشعر بقلق بالغ من أن تكون سوريا أجرت أبحاثاً وتطويراً لبرنامج أسلحة بيولوجية هجومي».
في حينه نفت إيران بشدة الاتهام، وهو نفي يندرج ضمن تأكيدها أن اهتمامها النووي هو من أجْل التنمية والأغراض السلمية عموماً، ويسبق النفي أو يليه تصريح من هذا الجنرال في «الحرس الثوري» أو ذاك، بأن لدى إيران قدرات دول عظمى، وأنها قادرة على إلحاق الهزيمة بمن يتعرض لها، بمن في ذلك الدولة الأهم في مجتمع الدول النخبة عسكرياً، الولايات المتحدة. لكن اللافت أن سوريا وكوريا الشمالية التزمتا صمتاً حول الاتهام.
الذي قاله المسؤول الأميركي كان بطبيعة الحال استناداً إلى معلومات. وما قاله كان مدعاة لحالة من الذعر، هي تلك التي يعيشها العالم بكل دول قاراته الخمس منذ سنة. ومن الواضح أن الذعر ممتد إلى سنة جديدة وربما أكثر، إلا في حال حدثت المعجزة وأمكن استيلاد اللقاح.
وما يمكن قوله هنا في ضوء الكلام الذي صدر عن مسؤول أميركي قبل أربع عشرة سنة، هو أن تفتيش المختبرات الجرثومية يقطع الطريق، كما تفتيش مواقع التصنيع النووي كفيل بكشف الألغاز والحقائق، وبالتالي طي صفحة الشكوك. وعند ذلك لا تعود البورصة الكورونية- الكونية على هذه الحيوية التي عليها، ذلك أن الأرقام ستبدأ في التراجع وإلى نقطة الصفر، وتبدأ في التالي حقبة ترميم الإفلاسات الناشئة عن «كورونا»، والتي تتنوع بين إفلاسات معلنة في دول كبرى، وأُخرى مستترة في انتظار الإعلان عنها في أي لحظة. وأما الإفلاسات الخجولة التي يقتصر الإعلان في شأنها على إغلاق فروع، فإنها تتواصل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة