«داعش»... المسكنات لا تقتلع الجذور!

«داعش»... المسكنات لا تقتلع الجذور!

السبت - 16 شهر رمضان 1441 هـ - 09 مايو 2020 مـ رقم العدد [15138]

هل عاد تنظيم «داعش» يتنفس من جديد، أم أنها مجرد مبالغات؟ الحقيقة مزعجة، لكن يبدو أن الأمور تسير في اتجاه إعادة تموضعه وبهدوء مريب، وبدعم من محور الشر الذي عانت منه المنطقة كثيراً. طبعاً لا بد من وجود بيئة مشجعة لتنشيط مفاعليه وأدواته، ولا شيء يبدو مغرياً أكثر من المشهد العراقي الذي ينزف ويعاني، فضلاً عن التدخلات السلبية التي تمارسها إيران. لم يكن مفاجئاً ما قاله المسؤول العراقي في وزارة الدفاع من أن «(فيلق القدس) الإيراني وميليشيا (حزب الله) اللبناني وميليشيا (الحشد الشعبي) العراقي تعاونوا ونسقوا لنقل المئات من مسلحي تنظيم (داعش) من سوريا إلى العراق، وتم تزويدهم بالأسلحة والذخائر».
إيران وفي ظل ما تعانيه لم تجد أفضل حلاً، لإخراجها من عزلتها وتخفيف الضغوط عليها وإشغال العالم ودول الجوار، من بث الحياة من جديد في جسد الكيان الإرهابي «داعش» ليمارس بلطجته وعدوانيته.
ذكرت «الشرق الأوسط»، أنه «في مدينة الموصل، وتحديداً في مركز محافظة نينوى، اشتكى بعض التجار من قيام عناصر (داعش) مجدداً بفرض إتاوات عليهم، وإنهم يستجيبون لها لخشيتهم من التعرض للانتقام». وقدر البعض ما يجبيه «داعش» اليوم من «إتاوات تقدر بنحو 100 ألف دولار يومياً».
الضربة الموجعة التي تعرضت لها إيران بعد مقتل قاسم سليماني دفعتها حتماً لملء الفراغ، وبالتالي أمرت حسن نصر الله بنقل المسلحين من سوريا إلى الحدود العراقية لتعزيز حضورها وتمددها، وبالتالي تكريس الهيمنة على دمشق وبيروت وبغداد.
لا غرابة أن تنشط كوادر تنظيم «داعش»؛ فولاء الآيديولوجيا أشد عمقاً وضراوة من أي ولاءات أخرى؛ ولذا إعادة التجنيد لا تستغرق وقتاً.
إعادة تشكل الحركات الراديكالية وتوالد الخلايا يتم في البيئة الرخوة والساحات غير المستقرة، وإذا ما توافر رافد مالي من دولة إرهابية كإيران التي عادة ما تدخل على الخط مستغلة ما يحدث تصبح المعادلة مكتملة.
لا يمكن نسيان مسلسل الرعب الداعشي العابر للقارات الذي ابتدع صوراً وأساليب جديدة في القتل والترويع وقدمها هدية أيضاً على صحن من ذهب لليمين المتطرف الذي يستغل مثل هذه الأحداث سياسياً.
هدفه من هذا التدمير والتخريب، وزعزعة الأمن وإثارة الرعب والفوضى داخل تلك البلدان، وخلق صدام واشتباك بين المجتمعات بأي شكل كان. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هو ردة فعل لانهياره على أرض الواقع وسقوط مشروع دولته واندحاره، وبالتالي إثبات أنه ما زال حاضراً في الساحة.
«داعش» سقط ككيان، لكنه لم يختفِ، ومرد ذلك يعود للمخزون الفكري الذي لم يتلاشَ بعد سقوط التنظيم.المسكنات ليست كالكي. العلاج الوقتي يختلف عن العلاج الجذري، وكذلك التعاطي مع الإرهاب. المسألة إذن تتعلق بصراع فكري في المقام الأول؛ ما يعني أنه قد يتعرض للمرض والضعف، لكنه لا يموت؛ فـ«داعش» قد يختفي لفترة، لكنه سيعود كما يحدث الآن أو ربما بمسميات جديدة طالما أننا لم نستأصل بذور آيديولوجيته وفضح طروحاته، فالفكر لا يواجه إلا بفكر مضاد، وبالتالي القضاء على كل شيء يحفزه للنمو والتوالد والتكاثر.
ما يقوم به عناصر «داعش» من أفعال تنم عن رغبة وقناعة وعقيدة مدركين لحجمها وأبعادها؛ كونهم ينطلقون من رؤية شاملة وفق أدبياتهم التي تبدأ من النكاية والإنهاك، ومروراً بالتوحش لتصل إلى التمكين.
السعودية استشعرت مبكراً خطورة الوضع وأعلنت عن تشكيل تحالف تجاوز 40 دولة إسلامية من أجل التصدي للإرهاب، وتم تأسيس مركز عمليات مشتركة في الرياض. لا يمكن الانتصار على الإرهاب من زاوية أمنية فقط.
لا بد من التعامل مع الإرهاب ضمن رؤية شمولية تنطلق من الفكر وجوانب أخرى، إعلامية وأمنية وسياسية ومالية وعسكرية، وضمن آليات محددة وجداول زمنية ومتابعة دقيقة وتقويم دائم للنتائج. الأمير محمد بن سلمان، عراب هذا المشروع، ذكر أن التحالف الجديد سيواجه الإرهاب عسكرياً وفكرياً وإعلامياً، ما يعني أننا أمام استراتيجية شاملة وتحول نوعي غير مسبوق في التعاطي مع هذا الملف الشائك. حساسية الظرف ودقة المرحلة وحجم المخاطر اليوم تتطلب توسيع المشاركة لهذا التحالف عالمياً؛ فمكافحة الإرهاب مسؤولية مشتركة بين الدول.
تحالف دولي ضد «داعش» وغيره عسكرياً وفكرياً وشعبياً ضرورة حتمية؛ ما يعني التحرك والتعاون دولياً، والتنسيق أمنياً واستخباراتياً.
لم تشهد جماعة أو حركة عبر التاريخ تحالفاً ضدها كما واجهه «داعش»، ومع ذلك فالتحالف الدولي ما زال مشتتاً؛ ما يعني ضرورة تجديده وتنشيطه وتفعيله بما فيه من تقاسم للمسؤوليات، وإن كانت العبرة بالتنفيذ والتزام الأطراف.
هذه خطوة ملحة ومطلوبة لخير البشرية، وقد تستغرق سنوات لكي نقطف ثمارها وهي مهمة صعبة وليست مستحيلة إن توفرت الإرادة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة