الشاعر والسوق السوداء

الشاعر والسوق السوداء

الثلاثاء - 12 شهر رمضان 1441 هـ - 05 مايو 2020 مـ رقم العدد [15134]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

في أيام الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من غلاء فاحش للأسعار، بل واختفاء الكثير من السلع، اضطر الكثيرون إلى القيام بشتى الأعمال والابتكارات لكسب لقمة العيش والتغلب على المحنة. وكان من ذلك أن أشيع بأن الشاعر الكبير معروف الرصافي اضطر للقيام ببيع السجائر في المقاهي. كان خصومه يروّجون هذه الإشاعات للحط من شخصيته، في حين أن أحباءه كانوا أيضاً يروّجون هذه الإشاعات كمؤشر إلى وطنية الشاعر ومعارضته للحكومة بما أسفر عن ضيق أحواله وصعوبة معيشته.
نفى الكاتب الصحافي عبد القادر البراك هذه التهمة وهذه الإشاعات. إنني أميل لتصديق شيء منها. كانت السجائر مقننة وتحت سيطرة مؤسسة انحصار التبغ العامة. وكان الكثيرون يتعاطفون مع الرصافي كشاعر وطني معارض. والظاهر أن مدير هذه المؤسسة، يوسف عز الدين إبراهيم كان واحداً منهم. فقرر منح هذا الشاعر كمية من قسائم (كوبونات) هذه السجائر بسعرها المقنن المنخفض. وأصبح بإمكان الشاعر أن يبيع هذه الكمية بأسعار السوق السوداء ويتعيش على فرق السعر.
هناك من يقول إن مدير مؤسسة انحصار التبغ لم يكن يجرؤ على منح هذه الكوبونات للشاعر المعارض، دون موافقة الحكومة. فقيل إن رئيس الوزراء نوري السعيد هو الذي أوعز للمدير بمنح الرصافي كميات وافرة من علب السجائر، لئلا يهلك الشاعر جوعاً. وكان بذلك أشبه بمن ضرب عصفورين بحجر واحد. كان نوري السعيد يعلم بأنه إذا خصص راتباً للشاعر المتشبث بوطنيته ومعارضته للسلطة، فإنه سيرفض قبول هذا الراتب. غير أن منحه كميات كبيرة من كوبونات السجائر طريقة أخرى لمساعدة الشاعر بصورة غير مباشرة.
أما كيف كان الرصافي يبيع هذه السجائر بأسعار السوق السوداء، فهذا ما أثار التساؤل. أستطيع أن أتصور بأنه كان يحمل صناديق السجائر إلى المقهى الذي كان يجلس فيه. وكان جمهور المقهى يبادرون لشراء هذه السجائر منه بالسعر الجاري في الأسواق. وليس في ذلك عيب أو اعتراض، علماً بأن الجمهور كانوا يدركون محنة العيش التي كان يعيشها الشاعر الرصافي. فشراء السجائر منه وسيلة مؤدبة وعملية لمساعدة الشاعر الكبير.
ومعروف الرصافي كان في الواقع مدمناً على التدخين. كنت أراه في الأعظمية جالساً مع رهط من أصحابه الشعراء والكتّاب يدخن باستمرار. ويظهر أن علاقته بالسجائر والشركات المنتجة للسجائر كانت وثيقة. ويقال إن الشركة المنتجة للسجائر المعروفة بماركة «غازي» ساومت معه على نشر إعلان شعري عن منتوجها، فزودها بهذين البيتين:


دخن سيجارة غازي
في وقفة واجتياز
وجاز نصحي بشكر
إن كنت ممن يجازي!


والمعروف عن الرصافي أنه قد خاض في موضوع التدخين، وكانت له قصيدة في ديوانه نشرها عن الموضوع بعنوان «العادات قاهرات». وكان يعتبر التدخين أقل شراً من احتساء الخمرة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة