الجيش الأبيض

الجيش الأبيض

الاثنين - 11 شهر رمضان 1441 هـ - 04 مايو 2020 مـ رقم العدد [15133]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

يحيا «الجيش الأبيض»؛ أحد شعارات أو هتافات مختلفة النوع والشكل واللغة، ولكنها موحدة الهدف والمستهدف والمضمون، تدرجت من التصفيق والثناء إلى إضاءة المباني الشاهقة مثل «إمباير ستيت» في نيويورك وبرج إيفل في باريس باللون الأبيض، مروراً بإضاءة برج القاهرة. الجيش الأبيض، هم هؤلاء الأطقم الطبية أبطال المعركة مع وباء كوفيد - 19 وهم يحاربون وباء العصر، في الصفوف الأمامية، حيث ضحى بحياتهم المئات من الأطباء والممرضين والمسعفين.
مصطلح الجيش الأبيض ظهر مع جائحة «كورونا»، نسبة للمعطف الطبي الأبيض، الذي اعتادت الطواقم الطبية ارتداءه في المستشفيات، والذي كان في الماضي أسود اللون، كما ظهر في لوحة التشريح لتوماس إيكنز رسام المدرسة الواقعية، عام 1875 قبل أن يستبدل الأبيض به درءاً لما كان يمثله اللون الأسود من حزن وكآبة.
الجيش الأبيض واجه خطورة الفيروس ونقص معدات السلامة الشخصية PPE والذي لم يمنع الأطباء وباقي الأطقم الطبية من ممارسة مهنتهم وخوض المعركة مع الفيروس الشرس ولو باللجوء لمعدات مبتكرة للوقاية الشخصية مثل أكياس النفايات، كما صرخت إحدى الطبيبات: «جعلتنا الأزمة نرتدي أكياس النفايات على رؤوسنا».
في زمن الـ«كورونا» شاهدنا المعاناة على وجوه الأطباء والممرضين والمسعفين المليئة بالكدمات والبقع الحمراء، نتيجة استخدام الكمامات والواقيات البلاستيكية لساعات طوال تظهر حجم معاناة الجيش الأبيض بعملهم في ظروف صعبة واستثنائية في شتى بقاع العالم، بسبب كبر حجم الحالات المصابة في وقت واحد في مقابل نقص في أسرّة العناية المركزة، ونقص في المضادات الحيوية وأجهزة التنفس الصناعي، في كثير من الحالات.
الجيش الأبيض لم يتمكن أغلبهم من رؤية عائلاتهم، بينما أصبحت حياتهم مسخّرة لإنقاذ الآخرين، بدون الحصول على قسط من الراحة، ففي الحرب على «كورونا» مواقف مشرفة قدمها أطباء العالم عامة والعرب خاصة، فمنهم من قضوا نحبهم في بلدان المهجر دفاعاً عن البشرية وفضلوا البقاء في البلدان التي عاشوا فيها زمناً من الدهر، فلم يفروا منها لمجرد ظهور الوباء فيها، مما يعكس حالة الوفاء عندهم.
طبيبان سودانيان توفيا في خطوط المواجهة الأمامية في بريطانيا، هما أمجد الحوراني، وعادل الطيار أول الأطباء الذين يموتون بسبب فيروس «كورونا» في بريطانيا.
قوافل ضحايا الحرب على «كورونا» التحق بركبها كثير ومن جنسيات مختلفة في بلدان مختلفة، ففي بلاد المهجر، الطبيب الليبي الذي عمل في نظام الصحة الوطني NHS في بريطانيا قرابة العشرين عاماً، وقضى عامه الأخير في مستشفى سانت هيلين وناوزلي، وهو ثاني طبيب ليبي توفي بالفيروس، بعد أن توفي الدكتور يونس رمضان، كبير المفتشين الصحيين بشمال لندن.
الجيش الأبيض لم يقدم الضحايا فقط بل لعل شجاعة الطبيب السعودي عبد الرحمن بن أحمد اللغبي، بجامعة وين ستيت في ميشيغان بالولايات المتحدة، الذي أيصيب بالفيروس، وخضع للحجر الصحي، وبمجرد تماثله للشفاء، عاد للعمل في الصفوف الأمامية مجدداً. وليس اللغبي وحده بل معه الآلاف من الأطباء والطلاب السعوديين والعرب الذين شاركوا في مكافحة «كورونا» في بلدان عملهم ودراستهم حول العالم.
وفي مصر أعلنت نقابة الأطباء، وفاة طبيب آخر، هو الدكتور طارق شكري، متأثراً بإصابته بفيروس «كورونا»، بعد وفاة أحمد اللواح أستاذ الباثولوجي الإكلينيكي بكلية الطب جامعة الأزهر، وهذا بعد أن انتشر الفيروس بين أطباء معهد الأورام ومستشفيات عين شمس والأزهر، والقلب، والزيتون التخصصي.
فجائحة «كورونا» أودت بحياة كثير من الطواقم الطبية حول العالم، فأكثر من 100 طبيب في إيطاليا وحدها، كان بينهم عرب ومسلمون، ووفق المعهد العالمي للصحة فإن نحو عشرة في المائة من المصابين هم من أفراد الطواقم الطبية.
واليوم بعد مواقف الجيش الأبيض، صاحب المعطف الأبيض، لا أظن أن اسكوتلندا اليوم ستحظر ارتداء المعطف الأبيض الخاص بالأطباء، كما كانت تنوي، وإن كانت حجتها التقليل من احتمالية انتشار الالتهابات الجرثومية بين نزلاء المستشفيات بسبب المعاطف البيضاء، التي أصبحت اليوم شعار الجيش الأبيض الذي وقف سداً منيعاً أمام شراسة جائحة «كورونا».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة