عالم الأوهام والأزلام

عالم الأوهام والأزلام

الأحد - 10 شهر رمضان 1441 هـ - 03 مايو 2020 مـ رقم العدد [15132]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

يظهر أننا نعيش في عالم شبحي يقوم فيه بعض الأزلام بالاحتيال على الدولة التي يعملون فيها باختراع أشخاص وهميين يتقاضون عنهم أجوراً ومخصصات غير شرعية. جرى مثل ذلك في العراق في السنوات الأخيرة. تبين أن بعض ضباط الجيش يسجلون جنوداً لا وجود لهم ويتسلم هؤلاء الضباط الأزلام رواتبهم ويضعونها في جيوبهم. أطلق العراقيون اصطلاح «فضائيين» على مثل هؤلاء الجنود الوهميين. لا أدري كم هناك قد بقي من هؤلاء الفضائيين حتى اليوم. ولكن الرأي الشائع لسقوط الموصل بيد «داعش» يعود لقوات فضائية لا وجود لها لتدافع عن المدينة.
ولكن يبدو لي أن مثل هذه الممارسات شائعة عالمياً. فهنا في بريطانيا، الدولة التي تعتز بنزاهتها واستقامة موظفيها تبين أن هناك أطباء يمارسون هذا الغش الفضائي. يعاني مشروع الصحة الوطني الذي يواجه باستمرار أزمة مالية من افتراءات كثيرة، منها ما يتعلق باستغلال المرضى الأجانب لهذه الخدمات.
ولكن تقريراً نشرته هيئة الـ«بي بي سي» مؤخراً كشف عن أطباء يحتالون على المشروع بذكر ما سماه التقرير المرضى الشبحيين، أو الفضائيين كما يسمونهم في العراق. المعروف في بريطانيا أن الأطباء العموميين لا يتسلمون رواتب وإنما يتقاضون أجوراً عن كل مريض مسجل لديهم. والمعروف أن كل طبيب من هؤلاء يتسلم بهذه الطريقة نحو 150 باونداً سنوياً عن كل مريض مسجل لديه.
وفي مسعى مشروع الصحة الوطني لتضبيط ميزانيته المرهقة كلف فريق مكافحة الاحتيال التابع له بالتمحيص في مدفوعات الأطباء العموميين وخرج هذا بتقرير مرعب يقول إن نحو 6.3 مليون مريض مسجل في دفاتر الأطباء لا وجود لهم وتبلغ تكلفة أجورهم نحو 88 مليون باوند سنوياً يتسلمه الأطباء الأزلام عن مرضاهم الأشباح، كما وصفهم التقرير.
وقد ردت على ذلك مؤسسة «كابيتا» عن الأطباء بأن أسماء هؤلاء المرضى الأشباح تعود لمرضى ماتوا ولم يبق لهم وجود أو غادروا إلى مكان آخر في البلاد ولم يعبأوا بإخبار الطبيب. والسؤال الآن هل كان بين الأطباء من أدرج ضمن حساباته أسماء مرضى لا وجود لهم؟ وهذه عملية خطيرة تنطوي على الاحتيال والتزوير.
ولكن ما يعني مشروع الصحة الوطني هو أن هؤلاء الأطباء ظلوا يتسلمون أجورهم عنهم. والمفروض فيهم الآن هو أن يعيدوا تلك الأجور للدولة، أجورا حقيقية عن أشباح ولم يقدموا للدولة ولا للجمهور أي خدمة صحية في الواقع.
وهذا طبعاً ما يشجع أرباب القطاع الخاص على المطالبة بتحويل كافة الخدمات الصحية وتسليمها إلى القطاع الخاص. يقولون إن الشركات أحرص على الصرف والتدقيق في مصداقية المرضى. وهذه هي الحجة التي تبني الشركات الخاصة حجتها عليها في الولايات المتحدة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة