في الدولة وحقوق الإنسان... عندما يُصنع الفارق!

في الدولة وحقوق الإنسان... عندما يُصنع الفارق!

السبت - 9 شهر رمضان 1441 هـ - 02 مايو 2020 مـ رقم العدد [15131]

أحياناً نمر مرور الكرام على أخبار وقرارات وأحداث، ونسمع ونقرأ عنها ولا نتوقف عندها، ولكن عند تأملها نجد أن لها صدى وأهمية وتأثيراً. ومن تلك القرارات المهمة ما صدر في السعودية ضمن مسارها الإصلاحي، من قرارات حقوقية وُصفت بالنوعية والجريئة؛ حيث ألغت تنفيذ حكم القتل تعزيراً لمن هم دون سن الـ18 عاماً، وتعويض الحكم بالسجن مدة لا تزيد على 10 سنوات في دار الملاحظة الاجتماعية (سجن الأحداث)، كما ألغت عقوبة الجلد في كل جرائم التعزير، والاكتفاء بعقوبتي السجن أو الغرامة أو بهما معاً، أو بأي عقوبة بديلة، كتقديم خدمات اجتماعية ونحوها.
العدالة، ومنذ المجتمعات البدائية القديمة وإلى يومنا هذا، لم تزل تشكل هاجساً مهيمناً على الوعي الاجتماعي؛ حيث قناعة الضمير وراحة الذات. ولكي تتحقق فإنه لا بد من وجود إرادة، وهي بمثابة الدافع للسمو الحضاري الإنساني. قرارات تاريخية جاءت لتختزل الزمن والمسافة في آن. سبقتها قرارات كبيرة وستلحقها أخرى، وهي تختصر عشرات السنين من الجهد والمال لتعزيز سمعة السعودية ومكانتها عالياً في المحافل الدولية.
هي لم تأتِ رضوخاً لأحد؛ بل رغبة لبلورة دولة قانون ومؤسسات، تسير بخطى واثقة نحو آفاق أرحب. القرار بطبيعة الحال تجاوز مضمونه ببعده العقابي والجنائي في تشكيل مجتمعنا، ما ستتمخض عنه إفرازات ثقافية واجتماعية إيجابية.
جاءت تلك القرارات الحقوقية لتؤكد عزم القيادة السعودية على تحقيق ما يتطلع إليه المواطن والمقيم، وأن الدولة تتقدم دائماً على المجتمع في تفاعلها الإصلاحي، وأن التحديث المتوازن هو نهج الدولة، ما دام يصب في تعزيز كرامة الإنسان وحماية حقوقه.
تجاوزنا مرحلة الحساسية المفرطة من الاقتراب من مناقشة همومنا وقضايانا، ولذا كان منطقياً أن تتراكم التجربة السعودية، بدليل هذه الخطوة اللافتة ومسارها السليم للوصول لمرحلة النضج الاجتماعي والثقافي.
السعودية صادقت على اتفاقية الطفل التي حددت عمر الطفل بأقل من 18 عاماً، كما ألغت عقوبة الجلد في العقوبات التعزيرية، لعدم التفاوت في الأحكام، والمبالغات غير المبررة في العقوبة. أصداء القرار ما زالت تتردد في أصقاع العالم، مع احتفاء وترحيب شهدناه في وسائل الإعلام العالمية، لم يكن مجاملة؛ بل هو إشادة موضوعية وواقعية بما يجري في بلادنا من تحولات.
طبعاً لا يخلو أي بلد من البلدان في العالم من انتهاكات حقوقية (ولو كانت باجتهادات فردية، أو حتى في مسائل بسيطة صغيرة) بما فيها البلدان المتقدمة، وتلك التي حققت طفرة نوعية في تنميتها الاقتصادية ومؤسساتها الدستورية، وأشاعت الحريات بمختلف مضامينها، ولكن تتفاوت المعايير في نسب احترام مبادئ حقوق الإنسان وتطبيقها من بلد إلى آخر، إلا أن الدولة الواعية وإن كانت «نامية» هي التي تبادر إلى معالجة ملفاتها الداخلية، وتصحيح الخلل، والبحث عما يحقق سعادة شعبها، وتوفير حياة كريمة لهم.
المقام هنا ليس للإطراء والإشادة بما يجري في المملكة، وإنْ كانت تستحق ذلك؛ بل لنقل الصورة كما هي ومن دون رتوش، ولذا هي تسير وفق رؤية واضحة في برامجها وخططها، ومستمرة على هدوئها، متجاهلة الأصوات الشاذة، رغم الضجيج وسخونة الأحداث وصخب الفبركات. كما أنها حريصة على التماشي مع المعايير الدولية فيما يتعلق بقوانينها المحلية، من دون المساس بحرمة النص القطعي أو ثوابت الدولة، ولذلك من الطبيعي أن تكون هناك مراجعات وإعادة نظر وبحث وتمحيص، في كل الأنظمة والقوانين المحلية.
السعودية تقوم بإصلاحات حقيقية، وليست إجراءات تجميلية، كما تحاول قوله بعض المنظمات الحقوقية التي يصح أن يطلق عليها أنها «لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب». كان من المتوقع والمفترض بتلك المنظمات (إن كانت لها مصداقية ومبدأ) أن ترحب بهذه الخطوة الحقوقية السعودية، ولكن ما قرأنا سوى التشكيك والتهكم والتبخيس، وتبريرات واهية، ما يطرح علامات استفهام حول حقيقة توجهات تلك المنظمات، وموقفها السلبي الدائم من السعودية، وابتعادها عن التناول الموضوعي لما يجري في السعودية.
القرارات مرتبطة بقرار داخلي، ولا تتعلق بضغوط خارجية؛ كونها موجودة منذ سنين وتم تجاهلها؛ لأنه كان دائماً هناك رفض رسمي وشعبي للإملاءات والضغوط؛ فضلاً عن عوامل أخرى ليست مثار نقاشنا هنا، ولكن الحقيقة أن هناك عملاً دؤوباً للحكومة ومراجعات مكثفة، ولجاناً عديدة ومتنوعة ومتخصصة، تجتمع بدون كلل أو ملل، وتخرج بتوصيات ومقترحات ورؤى ودراسات، تقودها قيادة شابة تملك إرادة سياسية وقادرة على اتخاذ قرارات صعبة، والتي رأت أن المناخ العام واللحظة التاريخية والوعي الاجتماعي قادر على استيعاب وفهم هكذا خطوات حقوقية، والتي تصب في مصلحة الإنسان في المقام الأول.
ورقة حقوق الإنسان تستغلها أطراف وجهات ودول، منذ إنشاء المملكة وإلى يومنا هذا. غير أن اللافت للنظر أن مشروع ولي العهد التحديثي أحبط شعاراتهم وأحاديثهم التي دائماً يكررونها؛ لأنهم لم يعد لديهم ما يقولونه وما يروّجون له، وبالتالي هم في ورطة وعدم توازن، كونها أصابتهم في مقتل!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة