ماذا سيبقى للمعاهدات بعد قرار الضم؟

ماذا سيبقى للمعاهدات بعد قرار الضم؟

الثلاثاء - 6 شهر رمضان 1441 هـ - 28 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15127]
مروان المعشر
وزير الخارجية الأردني الأسبق

بينما ينشغل العالم بجائحة «كورونا» وتداعياتها، يتفق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع منافسه بيني غانتس على تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية، يتضمن برنامجها السماح لرئيس الوزراء الإسرائيلي خلال فترة رئاسته الحالية، وقبل تسليمها إلى غانتس في أكتوبر (تشرين الأول) من العام القادم، وبعد موافقة الكنيست، بضم القدس بشكل تام، إضافة لبعض الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، بما في ذلك غور الأردن والمستوطنات بكاملها أو جزئياً.
ماذا يعني ذلك لمجمل عملية السلام؟ إن كانت إسرائيل بكافة أطيافها السياسية تقول بملء الفم إنها تريد ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وابتلاع الأرض الفلسطينية، بما في ذلك القدس، وإن كانت إسرائيل بكافة أطيافها السياسية تؤيد نظام «أبارتهايد» عنصرياً يقونن فيه تمييز مواطنيها من الديانة اليهودية عن بقية المواطنين، ويعامل 20 في المائة من المواطنين الفلسطينيين على أساس أنهم لا يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، فماذا تعني المعاهدات والاتفاقات العربية التي وُقِّعت مع إسرائيل؟ ألم يحن الوقت لمراجعة جذرية لهذه الاتفاقات؟
عندما قررت سوريا ولبنان والأردن والفلسطينيين مجتمعين الذهاب لمدريد عام 1991، لم يكن الهدف الأول استعادة الجولان المحتل، ولا الأراضي الأردنية المحتلة، ولا مزارع شبعا المحتلة فحسب؛ بل كان الهدف الرئيس إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، واستعادة القدس الشرقية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الفلسطيني. وفي حين عجز العرب عن استعادة الأراضي المحتلة بالقوة، فقد بدا بصيص من الأمل في استعادتها سياسياً وسلمياً وبغطاء دولي.
من أجل ذلك ذهب العرب لمدريد، ومن أجل ذلك وُقِّعت اتفاقية أوسلو، ومن أجل ذلك تم التوصل لمعاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية؛ بل ومن أجل ذلك أطلقت المبادرة العربية للسلام عام 2002. لم يكن الهدف الرئيس يوماً إرضاء إسرائيل، ولا تحقيق مكاسب فردية لأي من الدول العربية؛ بل كان الهدف الرئيس دوماً إقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.
اليوم، بعد أن أصبحت العملية السياسية مجرد سراب، وبعد أن اتفقت كافة المكونات السياسية الإسرائيلية اليهودية على ضم الأراضي الفلسطينية، بما يقتل فرصة إقامة الدولة الفلسطينية بما لا يدع مجالاً للشك، ماذا تعني اتفاقية أوسلو؟ ماذا تعني المعاهدة الأردنية - الإسرائيلية؟ الكلام هنا ليس عاطفياً؛ بل هو سياسي بامتياز. ماذا تعني المعاهدة الأردنية - الإسرائيلية، إن كانت إسرائيل في قتلها للدولة الفلسطينية تعمل مباشرة ضد المصلحة الوطنية الأردنية، وتحاول قتل الهوية الوطنية الأردنية، إضافة لمحاولة طمسها للهوية الوطنية الفلسطينية؟
هذه أسئلة مشروعة لا بد من الإجابة عنها. على سبيل المثال، هناك عديد من البنود في المعاهدة الأردنية - الإسرائيلية قد تخرقها إسرائيل في حال تصويت الكنيست على قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي ضم الأراضي الفلسطينية. فالمادة الثانية من المعاهدة تشير إلى أن الجانبين «يعترفان ويحترمان سيادة كل منهما، وسلامته الإقليمية، واستقلاله السياسي»، في حين يعتبر قتل الدولة الفلسطينية تهديداً مباشراً للأردن وسيادته واستقلاله. ويتضمن بند آخر من المادة ذاتها، إشارة إلى اعتقاد الجانبين بـ«أن تحركات السكان القسرية ضمن نفوذهما بشكل قد يؤثر سلباً على الطرف الآخر، ينبغي ألا يسمح بها»، الأمر الذي سينجم عن أي إجراءات أحادية تؤدي إلى تحركات قسرية للسكان الفلسطينيين إلى الأردن.
إن الإجراءات الإسرائيلية اليوم تجعل من الهدف الرئيس الذي ذهب العرب من أجله إلى مدريد ليس ذا قيمة، وتهدد المبادرة العربية للسلام، وتسخر من اتفاقيات أوسلو، وتجعل القدس تحت السيادة الإسرائيلية بشكل نهائي، وها هي اليوم تهدد الأمن القومي الأردني بشكل مباشر، فماذا بقي؟
ولمواجهة ذلك، لا بد من أن تقوم الحكومة الأردنية باتصالات مكثفة مع نتنياهو وغانتس، ذلك للوقوف أمام هذه الخطوة، وتبيان مخاطرها على الأردن تحديداً، إضافة لمجمل عملية السلام. لا يستطيع الأردن الوقوف جانباً بينما تتأهب الحكومة الإسرائيلية لمثل هذه الخطوات. ويتطلب ذلك جهداً دبلوماسياً مكثفاً يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني، للحديث العلني وغير العلني مع مختلف دوائر القرار الدولية، بما في ذلك الكونغرس الأميركي والأمم المتحدة والدول الأوروبية ووسائل الإعلام، لشرح تداعيات هذا القرار على الأردن.
يحظى الأردن وجلالة الملك بمكانة دولية كبيرة، تمكنه من القيام بهذا الدور. وإن لم ينجح هذا الجهد في ثني الحكومة الإسرائيلية عن قراراتها، فهو يسلط الضوء - على الأقل - على التداعيات الخطيرة على الأردن، كما أنه سيفهم المجتمع الدولي التواق إلى سلام دائم في المنطقة، أن مثل هذه القرارات الإسرائيلية لن تؤثر فقط على الجانب الفلسطيني، وإنما أيضاً على دول الجوار وعلى معاهدات السلام التي رحب المجتمع الدولي بها، واعتبرها بداية لحل كافة أوجه النزاع في المنطقة، وإقامة السلام الدائم والعادل فيها.
يتطلب الأمر كذلك البدء في مراجعة حقيقية لمعاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية. على الأردن استخدام هذه الورقة وبجدية مع الحكومة الإسرائيلية ومع المجتمع الدولي، وإعطاء الانطباع الجدي بأن إسرائيل لا تستطيع القيام أحادياً بمثل هذه الإجراءات من دون أن تكون لذلك تداعيات سلبية وجادة على علاقتها بالإقليم.
لا يمكن تصور الرد الأردني على أي قرار بالضم بعد شهر يوليو (تموز) القادم، مقتصراً على مجرد بيان بالشجب، أو استدعاء للسفير الأردني في تل أبيب، أو طرد للسفير الإسرائيلي في عمان؛ حيث لا بد من أن يكون الرد متناسباً مع حجم هذا التهديد الوجودي.
وفي حالة قيام إسرائيل بالضم، غير مكترثة بأي إجراءات يتخذها الأردن أو المجتمع الدولي، هناك حاجة ماسة أردنية حينذاك لوقف التشبث بحلم «حل الدولتين» الذي سيكون من الواضح استحالته. لقد حان الوقت لمراجعة أردنية متعمقة للملف الأردني - الإسرائيلي الذي بات من الواضح أنه لن يستطيع الاستمرار في مقاربة لا تريدها إسرائيل نفسها، وتعمل ضدها وضد الأردن. لا أقف اليوم مع أو ضد إجراء معين، بقدر ما أدعو لمراجعة جادة للمقاربة الأردنية تجاه إسرائيل في السابق، وتقييم مدى نجاعتها في المرحلة المقبلة.
فان كانت نتيجة هذا التقييم، أن إسرائيل اليوم تعمل ضد المصلحة الأردنية العليا، فمن الواضح أن لذلك تداعيات على أمور كثيرة، من بينها اتفاقية الغاز، وأي علاقات اقتصادية أو أمنية أخرى، ومن بينها أيضاً البحث في سبل دعم بقاء الفلسطيني والفلسطينية على أرضهما، لقطع الطريق على محاولة ابتلاع إسرائيل للأرض، حتى يأتي الوقت الذي يبتلع فيه الوضع الديموغرافي الفلسطيني المحاولات الإسرائيلية.
ضم إسرائيل لغور الأردن والمستوطنات إضافة للقدس، يخلق حقائق جديدة على الأرض لا يستطيع العرب تجاهلها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة