الكاتب في زمن العزلة

الكاتب في زمن العزلة

الأحد - 18 شعبان 1441 هـ - 12 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15111]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

تدخل عزلتي الكورونية أسبوعها السادس، فتفرض الأفكار والتساؤلات نفسها على ذهنية الكاتب الذي يدون في مفكرته الأحداث وتعامل الناس مع العزلة العامة، بقلم المؤرخ لا الصحافي.
فكرت في العزلة solitude متعددة المعاني والأنواع.
أولها العزلة الرومانسية، ومثالاً قصيدة «لوسي غراي» للشاعر الإنجليزي ويليام واردسوورث (1770 - 1850) كغرام رسام بموديل تصورها فرشاته: لوسي التي تطبع «آثار أقدامها الطفلة» على سهول منطقة البحيرات الخلابة في شمال غربي إنجلترا وإيقاع خطواتها «أغنية العزلة التي تصفر الريح لأنغامها».
وفي غياب وجه لوسي الحسن نتقبل العزلة إذا وجد الماء والخضرة في سوناتا 1814 «إلى العزلة» لزميله في المدرسة الرومانسية جون كيتس (1795 - 1821) (السوناتا محددة بـ14 بيتاً منضبطة الوزن والقافية) «على السهول المزهرة كمراقب للطبيعة تعكسها مياه النهر الكريستالية» وليس في المدينة «بأبنيتها المظلمة». وهناك العزلة السلبية كالوحدة loneliness الكئيبة.
«حسناً، ذهبوا جميعاً، وهنا لا بد أن أبقى وحيداً»، مطلع قصيدة «في سجن الشجرة» للشاعر الإنجليزي صامويل كولريدج (1772 - 1834) بعد حادثة سقوط وعاء الطهي المغلي من يد زوجته على قدمه وإصابته بحروق أقعدته لأسابيع طويلة غير قادر على السير.
عزلة كولريدج إجبارية، كعزلتي مريضاً سجنه الطبيب حماية لصحته. أو مثل عزل السجين تأديباً وتهذيباً وإصلاحاً وحفاظاً على صحة المجتمع.
عزلة المريض في المستشفى، كحال رئيس الوزراء بوريس جونسون قبل عشرة أيام، ثلاثة منها في العناية المركزة، أو عزلة بحارة الأسطول، أو المدرسة الداخلية في صبانا.
العزلة الإجبارية لها وجهان، السلبي المقلق، والإيجابي المطمئن. فالروتين اليومي الذي يصحب العزلة غير الاختيارية إيجابياته الاطمئنان لمعرفتنا بالخطوة التالية وغياب المفاجأة.
روتين اليوم فور الاستيقاظ، وتطهير اليدين قبل تعاطي الدواء، وقياس الحرارة، وتوصيل جهاز التنفس الليلي بجهاز التعقيم، والطقوس المعتادة من استحمام وقراءة الصحف اليومية مع القهوة، ومراجعة البريد الإلكتروني، والبريفينغ اليومي الصحافي مع متحدثي الحكومة. السبيل المقلق للسجين أنه لا يتحكم في مسار الأحداث أو حتى الروتين الذي تحكمه قوى خارج سيطرته.
فالروتين اليومي تغير. قراءة الصحف اليومية قبل «كورونا» اشتمل رياضة مفيدة لمفاصل عجوز فرض عليها الروماتيزم قيوداً فولاذية الملمس. المشي لمحل الصحف وتأبط ربطة الجرائد لقراءتها في المقهى، أو في القطار في أيام الذهاب إلى البرلمان، رغم العزلة الذهنية عن الآخرين سواء في المقهى أو القطار. الرياضة الوحيدة في عزلة البيت صعود ونزول السلالم الكثيرة وهي مشقة مؤلمة، وأقراص تهدئة الآلام لا تساعد على التركيز بجانب تصادمها مع الأدوية الأخرى مسببة مضاعفات جديدة.
العزلة الكورونية للوقاية من العدوى منعت مدبرة المنزل من الحضور كعادتها خمسة أيام ونصف أسبوعياً فحرمت من الوجبات الساخنة. محاولات تنفيذ مهام لا أتقنها كتغيير الفراش، وتنظيف المنزل متعدد الطوابق، وغسيل الملابس وطلب الحاجات والمأكولات «أونلاين»، طبعاً بتوجيهات مدبرة المنزل بالتليفون. ناقل الحاجيات يتركها، مع طرود البريد خارج باب المنزل، ومشقة نقلها إلى الداخل وتنظيفها بالماء والصابون والمطهرات كنصيحة الطبيب. وهي أمور صعبة على شباب بصحة جيدة فما بالك بحال كبار السن وأصحاب التهاب المفاصل؟
وهناك عزلة seclusion أو عزلة monastic كحال الراهب، ليس فقط في الدير بالمعني الديني، وإنما العزلة الروحانية في الأديان والعقائد والفلسفات، خاصة الشرقية، أي العزلة بعيداً عن الصخب وملاذ الحياة والتفرغ للتأمل كالرهبان البوذيين، ويضيف الهندوس إليها اليوغا.
ولم أفلح في أيهما، اليوغا البدنية لعدم تقبل مفاصل الجسم الفكرة؛ أو اليوغا العقلية «التأمل» لعجزي عن إقناع الجهاز المخي العصبي. فمسألة إفراغ الذهن من الأفكار، أي مسح قرص تحميل العقل من كل المعلومات ليصبح المخ كومبيوتر جديداً يوصل بالكهرباء للمرة الأولى لم أنجح فيها أبداً رغم كل المحاولات على مر السنين. فكومبيوتر الدماغ ليس فيه زر الإطفاء ولا أذكر مرة واحدة سواء في مستشفى أو أثناء علاج يتطلب النوم لفترة محددة تحقيق الغرض بلا الدواء المنوم.
أما أكثر حالات العزلة رعباً فهي ساعة النوم حتى قبل زمن «كورونا». عزلة غرفة النوم في المساء لا تخضع للروتين وطمأنته، رغم تظاهري بالالتزام بتعليمات الأطباء بتحديد موعد النوم والامتناع عن المشروبات خاصة الكافيين. ولا أعرف كاتباً، مهما تدهورت صحته، تمكن من تحديد ساعة النوم التي تتطلب وضع القلم في غمده وخلع نظارات القراءة وإغلاق الذهن، أو بدأ يومه مستبدلاً بقهوة الصباح عصير البرتقال أو اليانسون المغلي.
عزلة الفراش تعني قلق الأسئلة: هل تناولت الأدوية؟ ما الأفضل إذا شككت في نسيان أحدها؟ تناوله وخطورة مضاعفة الجرعة؟ أم تحمل أعراض فقدانها؟ هل نظفت فلتر جهاز التنفس في الصباح؟ ماذا لو تعرضت لأزمة أثناء الليل؟ و«كورونا» أضافت: «مدبرة المنزل غائبة فمن سيتصل بالطبيب أو الإسعاف؟» هل عقمت كل شيء وصل قبل تخزينه؟ هل أغلقت كل النوافذ التي تأتي منها قطط، كنت أرحب بها وأطعمها، ولكنها اليوم ربما قد تنقل العدوى؟
ثم عزلة النوم، ورغم قصر فترته عما تطلبه الحالة الصحية فهي عزلة راحة حقيقية يضبط في أثنائها الجهاز العصبي هرمونية إيقاعات العقل والبدن. وفي الصباح يبدأ سيزيف رفع عزلة روتين الأمس على كتفيه.
العزلة الإجبارية للسجين والمجند في الجيش لها موعد انتهاء محدد مسبقاً، بعكس السؤال في زمن «كورونا»: إلى متى تستمر العزلة الصحية؟
لا أحد يعرف ربما بقدر ما نحتمل. الجموع لا عقل لها إذا نفد صبر القطيع، مفضلاً مجازفة الموت خنقاً على قلق العزل الكوروني.
تذكرت أنني معظم الوقت، قبل «كورونا»، وقبل تدهور الصحة، كنت ككاتب وباحث، في عزلتي الإنتاجية معظم الوقت، حتى عند وجودي جسمياً مع الآخرين كنت في عزلة رأسي في كتابي وأوراقي والتفكير داخل فقاعة أو بالونة الوحدة الذهنية.
مثل عزلة الشاعر الأميركي إدغار آلان بو (1809 - 1849) في قصيدته «وحدي» عام 1840 فمنذ «ساعة الطفولة، لم يكن أبداً، مثلما كان الآخرون» لم يرَ أو يسمع أو يحب أو يستمتع كالآخرين، فقلبه «دق على نغمة أخرى، قلب أحب الوحدة وحيداً». اقترن آلان بو بالعزلة فأنجب منها 67 عملاً أدبياً من أشعار وقصص في عشرين عاماً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة