جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

لعبة الكراسي الاسكوتلندية

يوم الاثنين الماضي قضت محكمة اسكوتلندية، عُقدت في مدينة إدنبره، ببراءة ألكس سالموند، الزعيم السابق لحزب اسكوتلندا القومي، والوزير الأول لحكومة اسكوتلندا المحلية من عام 2007 وحتى عام 2014، من 13 تهمة موجهة ضده تتعلق بدعاوى مشينة أخلاقياً. الحكم القضائي جعل السيدة نيكولا ستورجين، الزعيمة الحالية للحزب، والوزيرة الأولى للحكومة المحلية في اسكوتلندا، ترضخ للوقوف في مربع الاتهام السياسي، برلمانياً وحزبياً، بإساءة استخدام الإجراءات الحكومية.
المحكمة جرت خلال الأسبوعين الأخيرين، ترأستها قاضية، وهيئة محلفين، وممثل النيابة العامة وشهوده، ومحامو الدفاع وشهودهم، وانتهت من أشغالها في عشر جلسات، وفي الجلسة الحادية عشرة قضت هيئة المحلفين المكونة من 8 نساء و5 رجال ببراءة السيد سالموند، من 12 تهمة باعتداء جنسي، وعدم توفر دليل كافٍ في الثالثة عشرة، والمتعلقة بمحاولة اغتصاب.
الجلسة الافتتاحية للمحكمة والتي تلتها، حضرها ما لا يقل عن عدد 40 صحافياً وإعلامياً يمثلون صحفاً وقنوات تلفزيونية ووكالات أنباء، ثم فجأة، حطت أزمة فيروس «كورونا» بكلكلها، فاختفى جيش الصحافيين والإعلاميين لتغطية تطوراتها، وتبعاً لذلك تقهقرت أخبار وقائع المحاكمة من الصفحات الأولى، وعناوين الأخبار في النشرات إلى الصفحات الداخلية غير الملحوظة إلا للمهتمين، وتجاهلها معظم النشرات. وحين صدر حكم البراءة، قفزت من جديد إلى الصفحات الأولى وعناوين الأخبار. أغلبية الجلسات مرّت تحت جنح تعتيم إعلامي فرضته أزمة الوباء عليها وعلى غيرها من الأخبار. وبذلك، تفادى السيد سالموند، لحسن حظه، انشغال الرأي العام، سواء في اسكوتلندا أو في بريطانيا، بما كان يدور في قاعة المحكمة من تفاصيل غير مُسرّة، تتعلق بأفعال لا تليق بزعيم سياسي مرموق، ومحبوب شعبياً، خصوصاً لأنصار استقلال اسكوتلندا من الاتحاد البريطاني.
قبل تحويل القضية إلى النيابة، ومنها إلى المحكمة، قامت السيدة ستورجين، رئيسة الحكومة في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الماضي بتشكيل لجنة للتحقيق في الشكاوى المرفوعة من تسع سيدات، إحداهن نائبة برلمانية في البرلمان الاسكوتلندي، وأخرى من العاملات في الحزب، والأخريات موظفات في الحكومة ضد السيد سالموند بتهم الاعتداء الجنسي، وتهمة بمحاولة اغتصاب في الفترة التي كان فيها السيد سالموند زعيماً للحزب ورئيساً للحكومة المحلية.
السيد سالموند طعن في التقرير المقدم من اللجنة لأن السيدة التي ترأستها سبق لها الانخراط في البدايات الأولى لظهور القضية، وبذلك خسرت الحكومة تلك الجولة. وبعدها أُحيلت الملفات إلى الشرطة، ومنها إلى القضاء، لتبدأ جولة أخرى. تلك الخسارة الحكومية الأولى كانت البداية لانبثاق أسئلة عديدة، وراء دوافع رئيسة الحكومة وبعض المسؤولين في الحزب للتخلص من السيد سالموند، وضمان إقصائه نهائياً عن المسرح السياسي.
قال القضاء كلمته. وبذلك، رجع السيد سالموند إلى بيته مخفوراً ومرفوقاً بأفراد عائلته وأصدقائه، وتحوّلت الأضواء، بسرعة، إلى جهة أخرى من الخشبة، مسلطةً على السيدة ستورجين، حيث بدأت ترتفع أصوات داخل الحزب من شخصيات مرموقة تطالب بإجراء تحقيق برئاسة قاضٍ مستقل حول الكيفية التي تعاملت بها الحكومة مع مزاعم الاعتداءات، وكذلك تحقيق آخر حول آلية تعامل الحزب مع الشكاوى داخلياً.
السيد سالموند، خسر مقعده البرلماني في الانتخابات النيابية عام 2017، وقدم استقالته من الحزب في شهر أغسطس (آب) عام 2018، وتعهد بتجديد انتسابه للحزب لدى انتهاء المحكمة وإغلاق الملف نهائياً. هذا يعني أنه سيعود قريباً إلى المسرح، وربما في دور أو أدوار لا تقل أهمية وقوة عن السابق، بعد النصر الذي تحقق في المحكمة. وهذا بدوره، سيؤدي إلى حرب أهلية لم يشهدها الحزب منذ سنوات طويلة، قد تؤدي إلى قطع ودحرجة رؤوس عديدة، وخروجها نهائياً من المسرح السياسي، أو محاولة مواصلة معاركها من خارجه، وربما من منصة حزبية أخرى.
لعبة الكراسي الاسكوتلندية، مثل جبال اسكوتلندا، شديدة الوعورة، ومنعطفات مساربها خطرة، لكن لا مفرّ من وقوعها ومواجهة نتائجها. وأظنني لا أجانب الصواب كثيراً بتكهني أنها ستكون طويلة ومرهقة وبخاصة للسيدة ستورجين وفريقها. وبرهاني على ذلك أن المجازفة التي قام بها البعض من اللاعبين بمحاولة وضع السيد سالموند في قفص اتهام، وبتهم مشينة، تعني أن مبدأ عدم الضرب تحت الحزام قد تعرض للانتهاك عمداً، وهذا يعطي للسيد سالموند وأنصاره حق المعاملة بالمثل، وعلى نفسها جَنَتْ نيكولا ستورجين.
ما حدث ويحدث وراء الكواليس من معارك وصراعات داخل أكبر حزب في اسكوتلندا، ويترأس الحكومة، ويقود الحركة المطالبة باستقلال اسكوتلندا عن الاتحاد البريطاني، يعدّ أخباراً سارة لعديدين سواء ضمن الدائرة الحزبية الاسكوتلندية، أو في بريطانيا عموماً وخصوصاً لحكومة السيد بوريس جونسون.
السيدة نيكولا ستورجين، في المستقبل القريب، ستكون بين فكي كماشة تحقيقين يتعلقان بذات القضية، أحدهما برلماني، كان مقرراً وتأجل بسبب حلول أزمة الوباء، والآخر على مستوى الحزب. وهي تدرك أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، الناجمة عن سوء تقديراتها وحساباتها، لن يكون إلا بمواجهتها، وتحمل عواقب نتائجها، كما تقتضي نظم وقواعد وآليات لعبة الكراسي ليس في اسكوتلندا فقط بل في كل دول العالم.