حول خوجة وتجربته السياسية والإدارية

حول خوجة وتجربته السياسية والإدارية

الخميس - 18 رجب 1441 هـ - 12 مارس 2020 مـ رقم العدد [15080]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

تمنح المذكرات قارئها فرصة ثمينة للعودة إلى مراحل كادت تنسى، فيحفظها كاتبها بين دفتي كتاب يحوي صفحات من التجارب بقضها وقضيضها، بنورها ونارها، بسكونها وجلبتها، يدوّنها المعني لتكون قصته وحكايته وروايته.
الكيميائي والشاعر أولاً، ثم السفير والوزير لاحقاً... عبد العزيز خوجة اختار لكتابه عنوان: «التجربة»، حرص على كتابة ما أمكن من رحلته الشخصية والعملية.
الكتاب لم يخلُ من ذكريات الحرب، ومآسي الاغتيالات والدم، ورائحة البارود وشبح العنف. لأنَّ التاريخ الذي عاصره خوجة كان صعباً، وتجربته في لبنان كانت الأشد خطورة والأكثر وعورة، ولكنها الأكثر نجاحاً. وضع للملوك تقديراته الشخصية حول الأحداث في بلاده، وكانت النتيجة في معظمها صائبة: قصف يلتسين للبرلمان الروسي 1993، وموقف تركيا تورغت أوزال من حرب الخليج، ومستقبل المغرب بعد رحيل الحسن الثاني، وسحق المحور الإيراني والسوري في انتخابات لبنان عام 2009.
في تجربة لبنان، كان لخوجة صلاحيات وأدوار بارزة، وسهلت مهماته من قبل الملك عبد الله شخصياً، كان قريباً من جميع التيارات والأحزاب، أفضل طريقة للأمن الاقتراب قليلاً من الخطر، يلتقي نصر الله محاولاً فهم هذه الظاهرة التي تكشّف للعالم أنها ليست مدعومة من إيران فحسب، وإنما قيّمها خوجة مبكراً بأنها «إيران في لبنان». يوضح في فصل لبنان، أن الصراع كان بين مشروعين: «كان طموح الحريري إحياء لبنان بعد الحرب المدمرة، والحصول على المعونات العربية والدولية، للمساهمة في إعادة البناء، وتجهيز البنية التحتية، كما سعى إلى اجتذاب رؤوس الأموال اللبنانية من المهجر، وكذلك العربية والدولية، للاستثمار في لبنان جديد. واستخدم علاقاته الواسعة لتحقيق هذا الهدف، ليس فقط من أجل بيروت، ولكن لمصلحة دمشق أيضاً»؛ على الضد: «في الوقت نفسه سعى حسن نصر الله إلى كسب قاعدة شعبية بالاستفادة من المساعدات الإيرانية في الخدمات الاجتماعية والطبية والتعليمية والزراعية».
بعد اغتيال الحريري، يقول خوجة إن المحكمة كانت مقترح نصر الله، أرادها «محكمة عربية»: «اقترح السيد حسن نصر الله علي مخصصة لجريمة الاغتيال. لكن البركان الشعبي كانت تتصاعد حممه، وبهية الحريري، عضو مجلس النواب، ألقت خطبة رنانة مشهورة، طالبت فيها عمر كرامي بالرحيل من رئاسة مجلس الوزراء، لأن الاغتيال حصل في عهده، ولأنه لم يوفر للحريري الحماية الكافية، فاستقال. واستمرت التظاهرات في الشارع من الاغتيال ولم تتوقف بعد الاستقالة. وكان وليد جنبلاط - باعتراف الجميع - عصب الشارع وزعيم الثورة الشعبية».
في صفحاتٍ تالية من الكتاب: «فكرة المحكمة الدولية لمعت في ذهني بفضل حسن نصر الله، تأسيس محكمة عربية للنظر في جريمة الاغتيال. حين اقترح عليَّ تركت نصر الله واختليت بنفسي، قلت إن هذه الفكرة لن تصل إلى مكان، لأنَّ الخلافات العربية ستخنق المحكمة، فلتكن محكمة دولية إذن لتحقيق أعلى درجات الحيدة والتجرد. واقترحت الفكرة على الملك عبد الله والأمير سعود الفيصل فوافقا، حينها طرحت الفكرة على الشيخ سعد الحريري والرئيس فؤاد السنيورة (الذي استعان في الاجتماع بأمين عام مجلس الوزراء القاضي سهيل بوجي)، فأيدا الفكرة بكل حماسة».
خوجة حاول اختبار تجربته هذه: «بعد أن أمنت المملكة موافقة الدول الكبرى على الفكرة. بعد ذلك اجتمعت مع حسين الخليل (المعاون السياسي لنصر الله) في منزل السياسي والصحافي مصطفى ناصر، لأبلغه بمشروع المحكمة.
الخليل: «إذا قامت المحكمة الدولية فسنحرق البلد». وفي الدولية، فرد ما بعد أضاف السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني: «لن نقبل بالمحكمة الدولية، لأنها ستبقى على رقابنا كالمقصلة)، وبعدما سمعت هذه المواقف والآراء أدركت أنني أسير في الاتجاه الصحيح».
نجى خوجة في حياته من أربع محاولات اغتيال طوال حياته العملية، وكان على لائحة المستهدفين في لبنان. الدور الذي يقوم به أهلك مناوئيه وأرهقهم.
على المستوى الإعلامي والثقافي، فإن الشاعر مع فريقه حاولوا تطوير معارض الكتب ورفع سقف الحرية في الكتابة والنشر، كانت محاولات في حينها مهمة. تعلقه بالثقافة والشعر جعل تجربته الدبلوماسية أكثر ثراءً في البلدان التي عمل بها، وديوانيته في بيروت، وأشعاره في المدائح التي يأمر الحسن الثاني بإنشادها في المواسم، وشعره الذي يفضّله سعود الفيصل وكان يطرب لأغنية محمد عبده: «لقاء الساعتين» من كلمات خوجة.
من المواقف الثقافية: «ذات مرة، طلب مني وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل أن يلتقي المفكر المغربي محمد عابد الجابري، فرتبت ذلك وحضرت لقاءهما، وقد فوجئت بأن الأمير اطلع بدقة على مشروع الجابري (نقد العقل العربي)، واطلع كذلك على رد جورج طرابيشي عليه، واستمر النقاش بينهما لساعات، وحين انتهى اللقاء قال لي الجابري: (الأمير سعود الفيصل مثقف فريد من نوعه). وقد صدق الجابري، فسعود الفيصل، حين يقتبس في نقاشاته باستشهادات لا تخطر على بالك، يفاجئك دائماً، وأذكر أنه فاجأني بأنه يحفظ مقاطع طويلة من أدبيات شكسبير. وكان من يرى سعود الفيصل يعمل، يظن أن لا وقت لديه لأي شيء آخر، لكنه يذهلك بأن قراءاته لا تتوقف ولا حدود لغزارتها وتنوعها». (ص: 144).
مذكرات خوجة جمعت بين التجارب السياسية والإدارية والثقافية، وضع بها بعضاً مما عايشه وعلمه وجربه، عبر أربعين سنة من العمل مع ملوك السعودية منذ الملك خالد وفهد وعبد الله وحتى الملك سلمان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يعتبر خوجة من شروط العمل معه أن يعمل الإنسان 25 ساعة في الـ24 ساعة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة