مبارك في ذمة الله

مبارك في ذمة الله

الخميس - 4 رجب 1441 هـ - 27 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15066]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

للموت هيبة ووقار ولا شك. ودّعت مصر والعالم العربي بالأمس محمد حسني مبارك، أطول مَن حكم مصر بعد محمد علي. شهدت حقبته العديد من الأحداث، ومرّ عليه العديد من التحديات، وفيها النجاحات والإخفاقات. تبوّأ منصب رئاسة الجمهورية بعد اغتيال الرئيس أنور السادات، في حادثة المنصة الشهيرة، على أيدي المجموعات الإرهابية، التي نجا منها حسني مبارك شخصياً، ليشاء القدر أن ينجو من الموت مجدداً بعد ذلك في حادثة محاولة اغتياله بالعاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، على أيدي الجماعة الإرهابية نفسها التي قتلت السادات.
كان اختيار حسني مبارك من قبل السادات ليتبوأ منصب نائب رئيس الجمهورية مفاجأة للجميع، ولكن السادات قرر لحظتها أن جيل ثورة يوليو (تموز) قد طُويت صفحته، وأن شرعية المرحلة التالية يجب أن تكون مستمرة من جيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) المجيدة، المعركة التي سجّلت انتصاراً على إسرائيل، أُزيلت كنتيجته آثار حرب 1967. وكان حسني مبارك أحد نجوم حرب أكتوبر، وقائد الضربة الجوية الأولى التي ساهمت في نتيجة الحرب. أعاد مصر إلى محيطها العربي بحكمة وعقلانية ورزانة، بعد أن قطعت الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية معها، عقب اتفاقية «كامب ديفيد» للسلام مع إسرائيل. كشف مبكراً عن خطورة النظام الإيراني على المنطقة، فهو شاهد بنفسه احتفالية نظام الخميني باغتيال السادات، وتسمية شارع رئيسي بطهران باسم خالد الإسلامبولي قاتل السادات. وفي عهده، تم الكشف عن أكثر من خلية لتنظيم «حزب الله» الإرهابي في مصر، وهو الأمر الذي ظهر بعد ذلك في ثورة يناير (كانون الثاني)، ومساعدة أنصار «حزب الله» في اقتحام السجون وتهريب الإرهابيين منها.
ساهم مبارك في إيجاد صوت وموقف عربي موحد ضد صدام حسين بعد غزوه للكويت، فرغم تآمر ومعارضة بعض الدول العربية له، فإنه نجح في إخراج موقف قوي يدين الغزو ويمهّد لتحرير الكويت. وتشاء الأقدار أن يفارق الدنيا في ذكرى تحرير الكويت التي كان أحد أبطالها.
إلا أن مبارك وقع ضحية التحدي الأكبر الذي يواجه الحكام، وهو عندما يشيخ نظام الحكم قبل أن يشيخ الحاكم نفسه. مل وسئم وتعب وكبر في السنوات الأخيرة من حكمه، وهي المسألة التي انعكست على المشهد السياسي والشارع بشكل عام. «سيحكم التاريخ بما لنا وما علينا»... هذه هي الكلمات التي قالها في وداع شعبه سياسياً. التاريخ كتاب مفتوح، ولا يزال حكمه قائماً على مبارك وعلى غيره، ولكن المؤكد أنه وقف مواقف مشرفة، واستعاد كامل أراضي بلاده، وكان بطلاً وطنياً في حروب بلاده. وقاطع بشار الأسد بعد اغتياله لرفيق الحريري، وكشف مبكراً عن مشروع نظام الانقلاب في قطر، وخطره الهائل على المنطقة.
رحل مبارك إلى رحمة الله، وسجلّه يتحدث عن نفسه، بلا مبالغات أنصاره ولا أكاذيب أعدائه. قاد مصر في مرحلة حرجة، وسجّل اسمه في تاريخ بلاده. له إنجازات مهمة وإخفاقات مهمة. كل أحبائه يكررون مقولة واحدة: ليته غادر المشهد السياسي قبل أن تُفرض عليه المغادرة. والآن غادر الدنيا إلى دار الحق.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة