تحديات تقليص الانبعاثات الكربونية

تحديات تقليص الانبعاثات الكربونية

الاثنين - 22 جمادى الآخرة 1441 هـ - 17 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15056]

بوجه عام، ثمة أنباء سارة وراء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعمه لزراعة أشجار - ربما يكون هذا الأمر المشترك الوحيد بينه وبين المهتمين بالمستقبل طويل الأمد لكوكبنا. في الواقع، لا توفر الأشجار مسكناً للحياة البرية فحسب، وإنما بمقدورها كذلك تقليص ارتفاع درجات حرارة الأرض، إلى حد ما.
وجاءت الوعود بزراعة أشجار خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وفي خطاب حالة الاتحاد - ربما هذا هو الوعد الأكثر صداقة للبيئة الذي أطلقه ترمب منذ بداية فترة رئاسته. وأظهر جمهوريون آخرون تأييدهم لفكرة زراعة الأشجار - منهم عضو الكونغرس بروس ويسترمان من ولاية أركنساس، الذي اقترح مشروع قانون الأشجار. وإذا كان ترمب وجمهوريون آخرون يرغبون الآن في إقرار وجهة النظر الشائعة في الأوساط العلمية اليوم حول التغييرات المناخية، فإن هذه بالتأكيد أنباء سارة ينبغي لنا الترحيب بها.
إلا أنه قبل أن نسارع إلى احتضان ترمب فرحاً به، ثمة أمران ينبغي تسليط الضوء عليهما بخصوص الأشجار؛ أولهما أن بعض الناس يخطئون بالنظر إلى زراعة الأشجار باعتبارها بديلاً عن تقليص الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. بالتأكيد، بمقدور الأشجار امتصاص ثاني أكسيد الكربون، لكنها بمفردها لن تكفي لوقف ارتفاع درجات حرارة الأرض.
لقد شاهدنا الخطأ ذاته الصيف الماضي عندما بالغت دراسة نشرت في مجلة «ساينس» في قدرة الأشجار على امتصاص ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الغلاف الجوي. وقدر باحثون من «المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا» في زيوريخ، أن الأرض يمكنها تحمل تريليون شجرة إضافية - وأن ذلك بإمكانه امتصاص ما يصل إلى ثلثي الانبعاثات الكربونية الصادرة عن البشر بسبب حرق الوقود الحفري. جدير بالذكر أن العلماء يقدرون أن الأرض كان عليها نحو ستة تريليونات شجرة قبل أن يبدأ البشر في تقطيعها وحرقها. وقد قلصنا الإجمالي حالياً إلى 3 تريليونات شجرة.
حازت الدراسة عناوين كبرى بالصحف، لكن الدورية نشرت بعد ذلك خمسة تفنيدات في صورة خطابات. من ناحيته، قال العالم المتخصص في علوم المناخ بجامعة كاليفورنيا بيركلي زيكي هوسفازر، إن الدراسة الأصلية بالغت في تقييم حجم ثاني أكسيد الكربون الذي يمكن لثلاثة تريليونات شجرة امتصاصه. وتبعاً لتقديراته، فإن زراعة الأشجار قد تزيل نحو 8 أو 9 سنوات من الانبعاثات الحديثة - وهذا رقم مبهر، لكنه غير كافٍ.
وهناك كذلك مسألة أين نزرع تريليون شجرة، فبعض الأشجار ستتعين زراعتها على أراضٍ تستخدم في الزراعة أو تربية الماشية، أو السافانا الطبيعية التي تشكل في حد ذاتها نظاماً بيئياً طبيعياً، حسبما شرح العالم المتخصص في علم الأحياء روبين تشازدون من جامعة كونيتيكت في تعليق رافق الدراسة المنشورة في دورية «ساينس».
في بعض مناطق السهول، قد يزيد ذلك من ارتفاع درجات الحرارة، حسبما شرح هوسفازر، عبر تقليص قدرة سطح الأرض على عكس الضوء. جدير بالذكر أن الثلوج العارية البراقة لديها قدرة على عكس قدر أكبر من أشعة الشمس عن الأرض المغطاة بالأشجار، الأمر الذي يسهم في إبقاء الجو لطيفاً.
وشرح هوسفازر أن «هناك تاريخاً طويلاً لاعتقاد الناس بأن هناك حلولاً سحرية لقضية التغييرات المناخية، سواء كان ذلك التحول إلى الاعتماد على الطاقة النووية أو الألواح الضوئية أو الأشجار». ويرى هوسفازر أن السبيل الوحيدة لإبقاء ارتفاع درجات حرارة الأرض أقل عن درجتين سيليزيتين الشروع الآن في تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وإن كانت زراعة الأشجار ستكسبنا بعض الوقت - ذلك أنها ستمنحنا بضع سنوات أخرى قبل أن نحتاج لتقليص هذه الانبعاثات إلى الصفر.
الملاحظ أن بعض الشركات سارع إلى محاولة استغلال فكرة زراعة الأشجار لخدمة البيئة في محاولة لتعويض شعور عملائها بالذنب تجاه الانبعاثات الكربونية. على سبيل المثال، أشار مقال نشرته «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» إلى أن الشركة المسؤولة عن تطبيق حجز تذاكر الطيران «هوبر» عرضت على العملاء التبرع بقدر كافٍ من المال لزراعة أربع أشجار مقابل كل رحلة طيران يحجزها العميل. إلا أن التأثير الضار بيئياً لرحلات الطيران فوري، بينما التأثير الإيجابي لزراعة الأشجار في المستقبل البعيد.
علاوة على ذلك، تتسم الفوائد المترتبة على زراعة الأشجار بالهشاشة ويمكن إلغاؤها بسهولة، ذلك أن الكميات المفرطة من ثاني أكسيد الكربون المسببة للمشكلات اليوم دفنت في الأرض لملايين السنين، وأي كميات من ثاني أكسيد الكربون يمتصها النبات تعود إلى الطبيعة من جديد إذا مات النبات بسبب مرض أو الجفاف أو الارتفاع الشديد بدرجات الحرارة أو الحرق - مثلما يحدث على نحو متزايد في الحرائق الهائلة بالغابات. وهناك سبل لإعادة ثاني أكسيد الكربون أسفل الأرض - وهناك تجارب يمكن تعزيزها بمجال تقنيات حبس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكن أياً من ذلك يشكل بديلاً لترك الوقود الحفري مكانه أسفل الأرض.
-بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة