الطلاق البريطاني ـ الأوروبي

الطلاق البريطاني ـ الأوروبي

الأحد - 7 جمادى الآخرة 1441 هـ - 02 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15041]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

مشهد طلاق بعد 47 عاماً من زواج سياسي امتلأ برموز العلاقة المعقدة:
أورسولا فون - دير - لين، رئيسة المفوضية الأوروبية، ودعت النواب البريطانيين في آخر جلسة للبرلمان الأوروبي ببيت للشاعر الإنجليزي جورج إليوت يقول: «عندما تحين لحظة الفراق نشعر بمدى عمق الحب». نايجل فاراج، زعيم حزب «بريكست»، لم تكتمل كلمته النهائية. رئيسة الجلسة، الآيرلندية ميريد ماكغينيس، أغلقت الميكروفون، متحججة بتلويح نواب الحزب بأعلام بريطانية ورقية صغيرة، بينما لوّح كثير من النواب الأوروبيين بوشاحات علم الاتحاد الأوروبي. وقال للبريطانيين بحدة: «اخرجوا... اتركونا وخذوا أعلامكم معكم». ولا يرضى أي مواطن بإهانة علم بلاده. ماكغينيس تنتمي لتيار جمهوري يريد ضم آيرلندا الشمالية، وهي جزء من المملكة المتحدة، إلى الجمهورية الآيرلندية.
قد تكون الألمانية فون - دير - لين (وهي إنجليزية التعليم العالي)، صادقة عن «عمق الحب» لكن المفارقة، هي الإشارة الرمزية. جورج إليوت شاعر وهمي، فهو penname اسم النشر، اختفت وراءه الصحافية والمترجمة الإنجليزية ماري - آن إيفانز (1819 - 1880) لنشر رواياتها وأشعارها. وعلى عكس نداء رئيسة المفوضية فون - دير - لين باستمرار علاقة الحب ترك الرمزان ومعاملة النواب البريطانيين طعماً غير مستساغ في المذاق البريطاني.
معتقدات وآيديولوجيا رئيسة الجلسة، الآيرلندية، بما ظنته مشاعر وطنية وبلدها كان جزءاً من بريطانيا انفصل بعنف دموي، تغلبت على بروتوكول يتطلب حياديتها لإدارة الجلسة.
طغيان مشاعر ماكغينيس القومية على مظهر التضامن الاتحادي لخص صراع ثلاثة عقود بين تيارين داخل المشروع الأوروبي: اتجاه الاحتفاظ بالسيادة القومية والحفاظ على المصلحة الوطنية، تعاكسه دعوة سيادة الاتحاد الفيدرالي على الدولة القومية لتذوب الهوية الوطنية في فيدرالية تديرها بيروقراطية التكنوقراط وليست الديمقراطية في نموذج أقرب للتجربة السوفياتية.
«عمق الحب»، تعبير لشاعر وهمي، امرأة تسترت وراء قلم رجل، رمز بأن البضاعة المشتراة (بضرائب المواطن في بلده) اختلفت جوهرياً عما عرضته المفوضية في فترينة بروكسل بمواصفات مغرية.
خداع إخفاء الهدف النهائي للمشروع الأوروبي عن الشعوب بدأ مع توقيع معاهدة روما في عام 1957 المفعلة في أول 1958.
المعاهدة الاقتصادية للمجتمع الأوروبي وقعت آنذاك بين قادة ألمانيا الغربية وبلجيكا وهولندا وفرنسا ولوكسمبورغ، ولهم نسق متشابه منسجم ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. فوضعوا أسساً ولوائح تناسبهم اشترطت الاتفاقيات أن يقبلها الأعضاء الجدد، حتى لو اختلفت ثقافتهم مع أنماطهم الاقتصادية كحال بريطانيا.
يوم التحاق بريطانيا بالسوق المشتركة أثناء حكم المحافظين (1970 - 1974)، كرر رئيس الوزراء إدوارد هيث (1916 - 2005) في كلمته إنكار اتهام المعارضة العمالية بأن الوحدة الفيدرالية الأوروبية هي الهدف النهائي.
الوثائق التي خرجت للعلن بعد وفاته أوضحت أنه كان يعلم، منذ الستينات، بالهدف الوحدوي الفيدرالي الأوروبي. وتبعه في الإنكار خليفته السير هارولد ويلسون (1916 - 1995) في الحكومة العمالية (1974 - 1979) عند ترويجه للبقاء في استفتاء السوق الأوروبية عام 1975 (وصوت كاتب السطور وقتها للبقاء في السوق المشتركة).
كل زعماء بريطانيا استمروا، في إخفاء الهدف الحقيقي الفيدرالي عن الناخب، باستثناء مارغريت ثاتشر (1925 - 2013). وكان التآمر لإسقاطها في 1990 عند كشف السر عاملاً مهماً في نمو تيار الدعوة في وستمنستر للخروج من الاتحاد الأوروبي.
واكبت العوامل التي أوقدت تيار الاستقلال البريطاني تغيرات إقليمية وعالمية تغافلها زعماء أوروبا في تحمسهم للفيدرالية.
اتفاقية ماستريخيت التي نزعت سيادة البرلمانات الوطنية ومنحتها للمفوضة الأوروبية غير المنتخبة، لم تأخذ في الاعتبار سقوط حائط برلين وتوحد ألمانيا وانتهاء الحرب الباردة.
كانت ألمانيا مقسمة وقت اتفاقية روما وظلت ألمانيا الغربية، لثلاثة عقود، خط المواجهة الأمامي للعالم الحر تدعمها أسلحة حلف شمال الأطلسي الموجهة للسوفيات وكتلة حلف وارسو الشيوعية. وكانت كتلة السوق المشتركة العمق الاقتصادي والاستهلاكي لألمانيا الغربية كفترينة منتجات اقتصاد السوق الحر التي يعمي بريقها أبصار مواطني ألمانيا الشرقية فيفرون لاجئين لبرلين الغربية.
وبدلاً من تعديل الاستراتيجية للتعامل مع متغيرات عالم ما بعد سقوط حائط برلين توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً مزيداً حدة التوتر مع روسيا. وتدفق مهاجرو الكتلة الشيوعية غرباً مخلين بالتوازن المالي بين العمالة ومستوى الأجور، خصوصاً في بريطانيا.
تآمر تيار الوحدة الأوروبية في حكومة السيدة مارغريت ثاتشر الثالثة لإسقاطها، جاء بنتائج عكسية داعماً لتيار الانفصال عن بروكسل؛ فثاتشر تظل في نظر الشعب رمز الوطنية والدفاع عن أكثر أطراف المملكة المتحدة بعداً جغرافياً.
الليدي ثاتشر، أفشت، للشعب، سراً أخفاه سابقوها وهو أهداف الوحدة الفيدرالية الأوروبية. فمحاولتها لإصلاح الاقتصاد (ومحاولات الحكومات المتعاقبة) اصطدمت دائماً بلوائح المفوضية.
بريطانيا بنت إمبراطورية بالاقتصاد والتجارة، ووزارة ماليتها تحتاج مرونة التعديل السريع للوائح، كسعر الفائدة اليومية، وضرائب القيمة المضافة على السلع والتعريفات الجمركية. لكن بنود الاتفاقيات ولوائحها تمنع البلاد من ذلك.
خطاب ثاتشر في الكلية الأوروبية في 1988 المعروف بـ«خطاب بروغ»، عندما لاحت بوادر انهيار الكتلة الشيوعية، حذر من المشروع الفيدرالي الأوروبي. كررت التحذيرات بلاءاتها الثلاث المشهورة في مجلس العموم «الاتحاد الأوروبي يريد عملة موحدة، وجيشاً فيدرالياً، وبرلماناً، وعلماً ونشيداً وطنياً... لا لا لا».
ومع رفضها معاهدة ماستريخيت تآمر عليها وزراء موالون للاتحاد الأوروبي في خريف 1990 في مقدمتهم وزير دفاع سابق (مايكل هزلتين)، وكينيث كلارك وزير الصحة وجون ميجر وزير المالية، وجيفري هاو الذي استقال من الخارجية بخطاب برلماني اتهم فيه ثاتشر بتقليل دور وزارة الخارجية البريطانية.
خروج بريطانيا من الناحية الاقتصادية ومن ناحية الناتج القومي النقدي مؤلم لبروكسل، إذ يساوي خروج تسعة عشر بلداً مجتمعة في وقت واحد من الاتحاد الأوروبي وبعد ثلاثين عاماً ستتجاوز المملكة المتحدة ألمانيا سكانياً لتصبح البلد الأكبر. وفي جلسة مغلقة لسفراء دول الاتحاد احتدم الخلاف: من يسد نقص 22 مليار يورو في الميزانية بسبب خروج بريطانيا؟
كما تخسر ثمانية عشر بلداً تحويلات أربعة ملايين من العاملين الأوروبيين في بريطانيا.
إذا خاض مفاوضو بروكسل محادثات الصفقة التجارية بنية إطالتها طمعاً في استمرار مساهمة بريطانيا النقدية، وفرض شروط مهينة كتحذير للحركات القومية في بولندا والنمسا والمجر وإيطاليا، فستكون سياسة قصيرة النظر. فأغلبية الحكومة في وستمنستر ستمكنها من إصدار قوانين للخروج بلا اتفاق في الحالتين السابقتين والتجارة على لوائح منظمة التجارة العالمية. وخسارة أوروبا، خصوصاً ألمانيا وفرنسا ستكون أكبر لميل ميزان الصادرات لصالح البلدين على حساب الصادرات البريطانية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة