شيطان «الجيل الخامس»

شيطان «الجيل الخامس»

الجمعة - 6 جمادى الآخرة 1441 هـ - 31 يناير 2020 مـ رقم العدد [15039]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

فشلت أميركا، رغم سياسة العصا والجزرة، في منع حلفائها الأقربين من التعاون مع شركة «هواوي» الصينية لبناء شبكة الجيل الخامس، التي باتت تمتلك أسرارها، وسبقت إليها أميركا وأوروبا والعالم أجمع.
تكنولوجيا الأشياء هذه هي التي ستجعلنا وكل ما حولنا متصلين بالشبكة. وهي الطريق الوحيد المتاح اليوم، لبلوغ حلم البيوت والمدن والمستشفيات والمدارس الذكية، بحيث يصبح كل ما حولنا مبرمجاً وقابلاً لتلقي الأوامر، لكنه في الوقت نفسه، عرضة للرصد والانتهاك لأنه مربوط ببيانات، ومكشوف لمن يملك مفاتيح الخوارزميات.
رغم المخاطر، وافقت بريطانيا على تعاون مشروط مع «هواوي» مطمئنة حليفها الأميركي إلى أنها ستُبقي التنين الآسيوي بعيداً عن إمكانية التجسس، ومقصًى عن الخوادم الرئيسية للبيانات، ولن تتمكن الشركة من الوصول إلى «قلب الشبكة» ولا الوجود في المناطق الجغرافية الحساسة على غرار القواعد العسكرية. لكن أميركا التي سعت لمنع هاتف «هواوي» المحمول بحجة أنه مخترق، تجد حلفاءها يذهبون إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير، بمنح الشركة التي «شيطنتها» القدرة على الدخول إلى الشبكات، متعللين الواحد تلو الآخر، بالخوف من خسارة مليارات الدولارات، والأهم تضييع كثير من السنوات في سباق التطور التكنولوجي، إن هم أذعنوا للمخاوف، أو رضخوا للتهديدات.
وتتهم أميركا الصين بأنها تترك أبواباً خلفية مفتوحة، في معدات «هواوي» تسمح بالتجسس، واختراق أمن الدول التي تستقبلها. إلا أن الحلفاء فضلوا المجازفة بشيء من حذرهم، والاكتفاء بالاحتياطات الممكنة، على المجازفة بالخسارة الاقتصادية، والتأخر عن الركب.
تصاعدت أصوات غربية، ترفض الاستسلام لتضييع الوقت والمال، من أجل أن تدفع أوروبا فاتورة الحرب التجارية الضروس بين الصين وأميركا. وثمة من يعتبر أن على التكنولوجيا أن تحيّد مهما كانت خطورتها عن الصراعات الجيوسياسية. إنما يبقى السؤال هل كان هذا ممكناً؟
يقول الإنثروبولوجي الفرنسي المعروف، إيمانويل تود، إن لجوء بريطانيا إلى «بريكست» هو أمر طبيعي جداً، بعد انتشار الإنترنت. فالدول التي تتحدث لغة مشتركة، باتت تشعر بأنها تشكل تكتلاً واحداً، في انتصار للغة بما لها من سطوة، على التقارب الجغرافي. وبالتالي فإن بريطانيا باتت في السنوات العشر الأخيرة، أقرب إلى أميركا وأستراليا، على سبيل المثال، بسبب قدرة شعوبها على التواصل المستمر بالإنجليزية، بفضل الشبكة العنكبوتية، منها إلى فرنسا أو ألمانيا. وهذا ربما يفسر إحساس أميركا بالخطر من تعاون بريطانيا مع «هواوي» أكثر من أوروبا مجتمعة. وتبقى اللغة مرتكزاً، فهي التي توحد مجموعة «العيون الخمس» أو ما يسمى «شبكة تبادل المعلومات الاستخباراتية» التي تضم إضافة إلى أميركا، كلاً من بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. وأنذرت الولايات المتحدة هذه الدول بوقف تبادل المعلومات الحساسة، إن هي تعاونت مع «هواوي» بما يخترق أمن المعلومات، وتحاول سن القوانين لتنفيذ تهديدها. وتخشى هذه الدول العواقب، وتقيم لها حساباً، لكنها في الوقت عينه مجبرة على القبول بـ«هواوي» ولو على مضض، طالما أنها تقدم ما لا يستطيعه الآخرون. ويبقى الواقع أقوى من التمنيات. وإن كان هناك من لا يزال يقاوم الإغراء، فإن كندا رغم سطوة أميركا عليها تدرس إمكانية اللحاق ببريطانيا، وبولندا متحمسة، وكذلك النمسا، وموقف نيوزيلندا الصارم بدأ بالتراخي، وهو ما يعني أن الجميع دخل لعبة «الدومينو» التي نصبتها «هواوي» صدفة أو عمداً.
ولا ينفع الندم الأميركي اليوم، لأن منع معدات «هواوي» بالصرامة الحالية في الولايات المتحدة سيحرم البلاد، مما ستتمتع به دول أخرى، بعد أن انطلقت شبكة الإنترنت بأعاجيبها، من عقر دارها قبل أكثر من 70 عاماً.
ومأزق أميركا الكبير، ليس فقط في كيفية إقناع الحلفاء بالتخلي عن مشروعاتهم الطموحة، وإنما بعدم وجود بديل وطني أميركي يغنيها عن «هواوي» ويقيها خطر التأخر عن الباقين. فقد انخفضت ميزانية الدراسات في المجال التكنولوجي إلى حدها الأدنى منذ منتصف القرن الماضي. وأمام عظم ما يحدث سيتم التصويت سريعاً على مشروع قانون يرصد أكثر من مليار دولار لهذا القطاع، لاستدراك ما فات. لكن النتائج وإن كانت سريعة فلن نراها غداً. ومهما تحدثت أوروبا عن براءات اختراع، وإمكانية اختراق قد تحدث قريباً، فإنه على المدى المنظور، لا بدائل غير الصين. فما تقدمه «نوكيا» و«أريكسون» الاسكندنافيتان و«سامسونغ» الكورية الجنوبية، قد يكون مفيداً، لكنه بالتأكيد ليس الأجدى لمن يريد كسب رهان الذكاء التكنولوجي الموعود.
تجسس أو لا تجسس، ذاك سؤال لا يمكن الإجابة عنه. لكن ما هو بديهي أن شبكة بهذا القدر من التعقيد والتشعب والضخامة، هي عرضة لاختراقات كبيرة، حتى من أفراد هواة أو قراصنة محترفين، خاصة أن التجربة لا تزال يانعة. وبالتالي فإن الأمن القومي السيبراني لن يكون محمياً، ولا مصوناً، كما هو عليه اليوم. فما بالك حين يكون من تخشى تجسسه أحد المصنعين والمشبّكين، بل أحد المحتكرين أيضاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة