جميل مطر
كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي.
TT

سنة انتخابات

قد تزداد الضغوط على شؤوني الخاصة أو تخف فتسوء أحوالي أو تتحسن. وقد تزداد الضغوط على شؤون بلدي أو تخف فتسوء أحوال الوطن أو تتحسن. المؤشرات الهاربة من عام ثقيل وممل وصل إلى ساعاته الأخيرة لا تشجع على التفاؤل بعام جديد يقترب في عجلة غير متوقعة وربما غير مسبوقة. أراها من شبابيكي المشرعة وأبوابي المفتوحة على مصراعيها، أراها، وأقصد المؤشرات الهاربة، على القرب تحتشد على كل الدروب المؤدية لليلة رأس السنة وفي نيتها ألا تضيع لحظة واحدة من وقت عام جديد. تريد أن تكون أول الباحثين عن أرض غير مسكونة لتقيم معسكراً يتسع لخيام كثيرة سكناً لأفواج متدفقة من مؤشرات منهكة وبائسة وغاضبة ومتوترة. أرى جحافل من مؤشرات صنعتها وخلفتها تطورات عام مضى بل وعقد ينتهي، أراها تزحف نحونا تهدد حرياتنا وأحلامنا. نعم، تقلقني مؤشرات تنتمي لعالمي الخاص وعالم بلادي ولكن ترهبني المؤشرات القادمة من الإقليم والعالم الخارجي.
***
لا مبالغة كبيرة في القول إن سياسات الرئيس دونالد ترمب خلال السنوات الثلاث التي قضاها في البيت الأبيض تتحمل مع غيرها مسؤولية تطورات كثيرة في العالم، تتحملها بشكل مباشر في حالات وبشكل غير مباشر في حالات أخرى. قبل هذه السنوات بنحو عقدين اجتمعت عناصر تغيير نقلت أميركا من مكانة القطب الأوحد إلى مكانة قطب أقل قوة وأدنى موقعاً، اجتمعت معها في السنوات الأخيرة عناصر في شخصية الرئيس الأميركي وفهمه الخاص لدوره كرئيس وفرص الحركة المتاحة أمامه. كمراقبين عشنا منذ لحظة توليه السلطة سنوات ثلاثاً نتابع علاقات دولية غلبت عليها الغرابة وصعوبة التوقع. عشنا نشاهد أيضاً سياسات وتقلبات ونسمع عن اختراعات وإبداعات أثارت كثيراً من القلق والفضول حول أي وظائف نعدّ لها أولادنا وأحفادنا وحول مستقبل السياسة الدولية عموماً وليس فقط ما يمس منها الإقليم العربي.
***
أرى من مسافة غير بعيدة مستقبلاً لا تعجبني تفاصيله. ليس معنى هذا أنه بالضرورة لن يعجب كل الناس ولا حتى الناس ممن هم على شاكلتي، فقد رأيت الناس العاديين يتغيرون وإنْ لأسباب غير تلك التي أسهمت في تغيير سلوكيات الحكام والطبقات السياسية بوجه عام. أعترف أنني وزملاء لي في حوارات ونقاشات هادئة لم نتوصل بعد إلى صيغة تجتمع تحتها مجموعة من الظروف والأسباب الدافعة إلى التغيير الذي وقع خلال العقود القليلة الماضية. لم تشفِ غليلنا صيغة جاءت تحت اسم النيوليبرالية التي أطلقت سهامها في كل اتجاه فأصابت الديمقراطية التمثيلية كما أصابت الرأسمالية بجراح ما زالت تنزف. كذلك لم نطمئن إلى صيغة تحمل معنى «ما بعد العولمة» أو معنى «ما بعد الرأسمالية» اتساقاً مع نفوري شخصياً من كل صيغ «المابعدية». لن أطيل في هذه المقدمة، يكفي أن أكرر أن للموضوع عناصر متعددة ومداخل شتى اخترت لهذا المقال التمهيدي عنصرين أعتقد أنهما سوف يؤثران أيما تأثير في تطورات السياسة الدولية، وبخاصة السياسات المتعلقة بتوازنات القمة وأدوار الدول متوسطة القوة في النظم الإقليمية.
***
نطل منذ أسابيع على سنة انتخابية تنتهي بفوز دونالد ترمب لولاية ثانية أو، وهو الأمر المستبعد من وجهة نظري، فوز مرشح الحزب الديمقراطي أو أحد الأغنياء من ذوي الشهرة الواسعة. هذا الاحتمال ستصحبه، في توقعي، فوضى أمنية في أنحاء شتى من الولايات المتحدة، فالذين انتخبوا «الزعيم» دونالد ترمب «لن يقبلوا بغيره رئيساً». من ناحية أخرى أعتقد أن على الدول، صغيرها وكبيرها، واجب الانتباه المطلق خلال الشهور حتى نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، إلى كل صغيرة وكبيرة تصدر عن شارع بنسلفانيا في واشنطن وبالتحديد البيت الأبيض. سمعتها مرة من صديق أميركي أسهم في صنع قرارات مهمة، قال: «أحببت دائماً خلال وجودي في السلطة أن أوجه نصيحة إلى حكام العالم في كل القارات، ضعوا في حساباتكم السياسية خلال السنة الانتخابية الأميركية أن البيت الأبيض ينتظر أن تكون جميع قراراتكم، حتى الإقليمية والداخلية، منسجمة مع سياسات الرئيس وتوجهاته وما استجدّ عليها خلال الحملة الانتخابية. الرئيس إن فاز بولاية ثانية فلن ينسى جميلكم إن نفذتم نصيحتي، ولن يغفر لكم إن تسببتم في تعقيدات أو صعوبات له والقائمين على حملته».
تأكدت خلال الأعوام الثلاثة الأولى من حكم الرئيس ترمب من صدق النصيحة وجدواها. إن كثيراً من علاقات الرئيس بحكام أجانب واقترابه أو ابتعاده عن سياساتهم وقضاياهم تأثرت بمواقفهم الشخصية والسياسية والمادية منه ومن حملته الانتخابية قبل دخوله البيت الأبيض. قد تكون هي القاعدة في الانتخابات الأميركية ولكن لهذا الرئيس تحديداً أسلوب ميّزه عن الآخرين. رأيناه في مواقفه، وكلها مواقف مثيرة للجدل، مع الرئيس فلاديمير بوتين وقادة سياسيين عرب ومع قادة أوروبيين ويهود. يتضح لي الآن أن ما بدا لنا كرهاً من جانب ترمب بل ومقتاً لرئيس أو آخر وما بدا حباً أو عشقاً كان رداً لأفعال وقعت وقت الحملة الانتخابية ولم تتغير خلال السنوات الثلاث من حكمه. كان، والحق يقال، وفياً في غالب الأحوال. أعتقد أننا لن نفهم حقيقة العلاقات الأميركية خلال عهد ترمب مع دول أميركا اللاتينية وأفريقيا وبعض دول أوروبا ما لم نضع في اعتبارنا قدر الاستهانة التي عومل بها شخصياً وسياسياً خلال الحملة من قادة هذه الدول.
***
من جانب آخر، نحن أمام ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية. أكثرنا انتبه خلال الشهور وربما السنوات الأخيرة إلى قواعد جديدة في السلوك الخارجي لبعض الدول. هذه القواعد لا تخرج في حقيقة أمرها عن كونها انعكاساً لأخلاقيات وأساليب حكم وعمل قادة «شعبويين». الرئيس ترمب واحد منهم، ولبعضهم هو النموذج أو المثال الأعلى. هناك صعوبة لا شك فيها في أن نحدد في هذا الحيز الضيق أهم ما تغير بالفعل في السلوك الدولي وبخاصة بالنسبة إلى قواعد ومبادئ كانت أميركا أول وأهم من اعتزّ بالحرص على حمايتها. قليلون بين علماء العلاقات الدولية مَن ينكر أنه في عصر ترمب، وجماعة القادة الشعبويين اليمينيين، أُصيب بعض أهم المؤسسات الدولية بأعراض شلل وتخلّف كثير من ممارسات التعددية في قيادة النظام الدولي. تعددت خلافات، بل أزمات، القمم الصناعية الكبرى وتكاثرت النزاعات بينها، وبخاصة في المعسكر الغربي، حول بعض أهم القضايا. بمعنى آخر كانت الشعبوية وبالاً على وحدة الغرب في مواجهة روسيا وستكون هكذا أيضاً عندما تصل الصين إلى هدف لعلها حددته ولم تبلغنا به.
***
السنة الانتخابية التي بدأت بالفعل والاستمرار في تكريس الشعبوية أسلوباً في الحكم على حساب الديمقراطية التمثيلية وحساب المجتمع المدني وكفاءة الأحزاب وتعددها، سيكون اجتماعهما خلال الشهور العشرة المتبقية من هذا العام لبنة الأساس لنظام دولي جديد بقواعد مبتكرة وقيم بعضها غير مألوف وأكثرها جديد جداً، نظام دولي بمؤسسات أقل وجيوش بأسلحة غريبة الأطوار وفضاء كامل التعسكر.