تبعات التحرش الأميركي الإيراني

تبعات التحرش الأميركي الإيراني

الاثنين - 10 جمادى الأولى 1441 هـ - 06 يناير 2020 مـ رقم العدد [15014]

في تحليل ما يحدث في العراق ومعه بقية الإقليم، انصبّ معظم التحليل السياسي على الأشخاص؛ مقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس»، وتحييده من المعادلة الإقليمية وردة الفعل الإيرانية على تصفيته، وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب... وفي هذا النوع من التحليل ينسى البعض أن الشخوص في السياسة الدولية هي مجرد رموز لا أكثر، وأن السياسة الدولية والحروب وتبعاتها هي شأن دول وسياقات أو طبيعة مسرح العمليات في المقام الأول لا شأن أشخاص، وإن كان للاعبين دور فهو ليس كل التحليل، فهي ليست مباراة كرة قدم يهتف فيها الجمهور بحياة اللاعب النجم، ومن هنا يأتي الخلل وسوء الفهم في العلاقات الدولية وأسئلة السلم والحرب وعدم قدرة الكثيرين على إدراك تبعات الأحداث الكبرى. هناك بعض الفائدة من الكتابة عن اللاعبين وسيرتهم الذاتية وطرقهم في اتخاذ القرار، وفي تصوري ما كُتب عن سليماني وترمب معاً حتى الآن كافٍ وزيادة. لذا سأحاول في هذا المقال الحديث عن عوامل الاستقرار والاضطراب في المنطقة بعد عملية الجمعة الفائتة في مطار بغداد والتي هزت العراق وإيران معاً، وبهزّات مرتدّة كالتي تأتي بعد الزلازل في بقية الإقليم، فما تلك التبعات على العراق، وإيران والمنطقة؟
على المستوى العراقي، العراق بلد منقوص السيادة تتحرك فيه القوى الأجنبية بحرية غير مسبوقة، لذلك لم يعد هناك مجال للمناورة وأصبح ضرورياً على الفرقاء العراقيين أن يختاروا بين الأجانب، إما دعم أميركا، وإما الوقوف إلى جانب إيران. ومن هنا يكون العراق مسرح عمليات دولية أو حرباً بالوكالة إنْ لم تكن حرباً أهلية. وعراق اليوم أضعف بكثير من عراق صدام حتى عام 2003 والذي لم يستغرق تفكيكه سوى ساعات لقوات أميركية دخلت يومها من شمال الكويت لتسيطر على بغداد في غضون أيام. ليصبح فيما بعد ساحة لوكلاء إيران وأميركا وتبقى مؤسساته مجرد واجهة، واستقلاله وسيادته مجرد عناوين صحافية مخالفة للواقع. إذن، العراق في هذه الحالة هو الذي سيكون وقود المواجهة الأميركية الإيرانية.
مما لا شك فيه أن الجغرافيا في هذه الحالة تلعب في صالح إيران نتيجة للقرب ووجود ميليشيات لها في دائرة نفوذها حسب التعريف الإيراني والتي تشمل مسرح عمليات غرب آسيا برمته من أفغانستان حتى الخليج العربي. أو ما يعرفه الأميركان في استراتيجيتهم العالمية بالمنطقة المركزية. ومع ذلك تبقى فكرة التمدد الزائد عن الحد (overstretching) هي التحدي الأكبر بالنسبة لكل من أميركا وإيران. والميزان هنا يميل لمصلحة أميركا كقوة عظمى.
ليست تلك بالمواجهة الأولى بين أميركا وإيران في المنطقة، وليست الأولى في التدخل الأميركي في الشرق الأوسط وغرب آسيا، ونتائج المواجهات السابقة من أفغانستان حتى العراق كانت وعلى المدى المتوسط تصب في مصلحة إيران أو بالأحرى في مصلحة الجناح المتشدد في النظام الإيراني وإعطاء النظام فرصة لاستمرار البقاء (new lease on life).
على المستوى الإيراني، يتضح من خطاب النظام الداخلي وبيان مجلس الأمن القومي في طهران أن الرد الإيراني ضرورة داخلية في المقام الأول لاستثمار المواجهة في زيادة عمر نظام منهك بعد مرور أربعين عاماً على ثورة الخميني عام 1979، وهذا الرد لا بد أن يشمل تتسيقاً مع الميليشيات التابعة لإيران في كل الإقليم لضمان بقاء مناطق النفوذ. هذا الرد قد يستهدف أهدافاً أميركية عسكرية واقتصادية ومدنية في الخواصر الضعيفة للنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.
ومع ذلك تبقى فكرة أن يتخلخل النظام الإيراني من الداخل قائمة، ففكرة التمدد الزائد عن الحد لقوة متوسطة مثل إيران ليست بالأمر الهين خصوصاً تحت ضغط أميركي وإقليمي شديدين.
وإذا كانت لإيران رغبة شديدة في الرد لأسباب داخلية، فإن الأمر ذاته ينطبق على إدارة أميركية تواجه عملية عزل لرئيس ضعيف نسبياً في الداخل وانتخابات مقبلة. وربما يؤدي سوء القراءة إلى أن الحرب قد تمد في عمر الإدارة الأميركية بالدرجة نفسها التي تمد فيها من عمر النظام في طهران.
المواجهة بين أميركا وإيران تدفع قضايا إقليمية أخرى ملحة إلى ذيل القائمة. فبالأمس كان التدخل التركي في ليبيا مثلاً أمراً شديد الأهمية، اليوم لن يكون بذات الأهمية، ومهما حدث في ليبيا لن يثير الاهتمام كثيراً، فالأولوية الآن هي غرب آسيا وليس شمال أفريقيا. ومهما حدث في ليبيا ومهما كانت بشاعته ربما لا يلفت الأنظار في لحظة مواجهة بين قوة عالمية (أميركا) وقوه إقليمية (إيران).
المشهد يزداد تعقيداً على المستوى الدولي، فاليوم هنالك لاعبون جدد في سياسة الإقليم، وأقصد هنا روسيا والصين، مما قد يحد من قوة الضربات الأميركية وحرية حركة قواتها.
ومع ذلك ورغم كل الوجود الدولي، فإن سياسة المنطقة ستظل بيد أهلها، أي أن التفاعلات المحلية هي التي سترسم دور كل من أميركا وإيران وليس العكس.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة