حصار الإعلام للانتفاضة اللبنانية

حصار الإعلام للانتفاضة اللبنانية

الخميس - 6 جمادى الأولى 1441 هـ - 02 يناير 2020 مـ رقم العدد [15010]

بعد أسبوعين من اندلاع الانتفاضة اللبنانية، غيرت محطات التلفزة الرئيسية مقاربتها للحدث وباتت انتقائية في تغطيتها للمظاهرات وأكثر تركيزاً على جوانب سلبية بعضها حقيقي وبعضها الآخر مفتعل، لنشاطات المحتجين. انتشر يومها خبر، لم يصدر أي نفي له، أن دوائر القصر الجمهوري طلبت من المحطات الامتناع عن نشر أكثر أخبار الانتفاضة وإلا ستُفتح ملفات وسائل الإعلام التلفزيونية المالية والقضائية، وهي الوسائل المرتبطة بالسلطة ومالها وفسادها ارتباطاً عضوياً ومديداً.
الرئاسة اللبنانية كانت قد حذرت قبل أيام من انفجار الأزمة الحالية «مرتكبي جرائم النَّيل من مكانة الدولة المالية» من مغبة تناول الوضع المالي الكارثي في البلاد، مستعينة بلغة أقرب ما تكون إلى لغة حزب البعث في حديثها عن «ملاحقات قضائية ستشمل كل مَن روّج لانهيار الليرة اللبنانية، وأوحى بوجود أزمة سيولة»، (راجع «الشرق الأوسط» - عدد 2 أكتوبر/ (تشرين الأول الماضي)، ولم يتلكأ الإعلام، وخصوصاً المحطات التلفزيونية، في الاستجابة للتحذير الرسمي.
يعطي تداخل المصالح بين أصحاب وسائل الإعلام المؤثرة في لبنان وبين السلطة وتشارك الجميع في ضروب مختلفة من الفساد والإفساد والارتشاء، اليد العليا للسلطة في إملاء إرادتها على الإعلام وتوجيهه على نحو لا يقل فاعلية عن وسائل الإعلام الرسمية في الدول التي تحتكر الدولة مجال الإعلام، مع الإشارة إلى أن المسألة في لبنان أكثر تعقيداً لضرورة الأخذ في الاعتبار نواحي الربح المادي لأصحاب المحطات.
المهم فيما يحصل اليوم أن المحطات فتحت أبوابها، بعد التحذير الرسمي لها، لكل المعادين للانتفاضة الذين اتحدوا، على الرغم من انتماءاتهم السياسية التقليدية المختلفة، في التحذير من الفراغ و«التطاول على المقامات» و«الألفاظ النابية» التي يرددها المتظاهرون في الساحات، في عودة شديدة السطحية والسذاجة، في آن، إلى لغة التكاذب الطائفي بذريعة عدم استفزاز مشاعر الآخرين. غني عن البيان أن لغة كهذه عادة ما تستخدم ستارة لإخفاء الجرائم والكبائر التي يرتكبها متمسكون بالأخلاق المدرسية، وحيث سرقة المال العام، والاعتداء على حقوق المواطنين، وإذلالهم وحرمانهم من مقومات العيش الكريم والعناية الصحية مباح، لكن الرد على هذه الممارسات بالشتيمة حرام.
تدفق المتحدثين المدافعين عن ائتلاف الأحزاب الحاكم واحتلالهم الشاشات آناء الليل وأطراف النهار، جاء بقرار واضح من السلطة بقلب المزاج العام وزرع العداء للانتفاضة بين اللبنانيين من خلال اللجوء إلى أبسط أنواع الخطاب الشعبوي، الحزبي والطائفي والجهوي لإحياء الانقسامات القديمة بين اللبنانيين، وهي الحقل الذي لا تنمو أعشاب السلطة السامة في غيره. حقل الذعر الأهلي المتبادل والبحث عن الحماية في جلباب الطائفة وزعيمها، الفاسد حكماً.
لا جدال في أن سيطرة متحدثين من الدرجة الثالثة وخطابهم المنحط على وسائل الإعلام رمت إلى إبعاد النقاش الحقيقي الذي يتناول أسباب الأزمة وسبل الخروج منها ومستقبل الانتفاضة وقابليتها للتطور وطرح الحلول، إبعاده عن أسماع المواطنين، وإغراق هؤلاء بسيل لا ينتهي من الأقاويل غير المسندة، والمواقف الضحلة الفقيرة إلى التماسك والذكاء، وابتكار سيل من الأكاذيب التي تستهدف الناشطين والمحتجين. ولم يكن مستغرباً أن يمتنع كثر من المتحدثين الجديين عن نقاش يستهين بالمشاهدين وبالمشاركين فيه، على السواء. وكان هذا الامتناع من الأهداف التي وضعها من سلّط بعض السفهاء على الشاشات.
يضاف إلى ذلك، أن أصحاب القرار في خفض سقف النقاش ومستواه، لا يرون في المواطنين القدرة على اتخاذ القرار الحرّ والواعي المستند إلى تفكير نقدي يميل إلى تبني المصلحة العامة. بل إنهم ينظرون إلى المواطنين والمشاهدين والقراء ككتلة صماء عمياء ينبغي سوقها إلى «نعيمهم» ولو بالسلاسل. تندمج هنا المواقف الشعبوية ضد الانتفاضة مع التحريض على حرية التعبير عن الرأي بذريعة منع التطبيع مع إسرائيل، مع تعميم تصورات طفولية عن إمكان علاج المرض اللبناني العضال بتصدير الخضار إلى الدول العربية. كل ذلك للهروب من مواجهة الحقيقة الساطعة، وخلاصتها أن النظام السياسي اللبناني قد مات ولم يعد من مفر ومن مخرج من الوضع القائم سوى دفن جثة هذا النظام والبحث عن بدائل قابلة للحياة.
وما التضليل الإعلامي المتعمد سوى أداة تضاف إلى أدوات لجأت السلطة إليها سابقاً، من مثل إنزال مئات الموتورين إلى الشوارع للاعتداء على المتظاهرين ونسج اتهامات خيالية عن تمويل أجنبي للمظاهرات، من دون أن يفلح لا التضليل ولا الاعتداء في توفير فكرة واحدة عن كيفية علاج الآفة التي تقتل اللبنانيين، وتصادر لقمة عيشهم، وتنتهك كرامتهم.
مقابل هذا العدوان الكبير الإمكانات والمتعدد الرؤوس على الانتفاضة، يحاول مؤيدوها الرد بوسائل تبحث عن فاعليتها على منصات التواصل الاجتماعي ومن خلال كسر السيطرة السلطوية على المجال العام، بوجوهه المختلفة. لعل هذا البحث لم يسفر حتى اللحظة عن نتائج باهرة بيد أنه مستمر لمنع هيمنة صوت واحد مضلل، وساع إلى نشر العنف والخضوع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة