سبعون الناتو

سبعون الناتو

الأحد - 11 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14985]

لا أحد بإمكانه التكهن إن كان اجتماع حلف الناتو، مؤخراً، في لندن، بمثابة عشاء روتيني آخر أم أخير.
الحلف الذي احتفل، هذا الأسبوع، بعيد ميلاده السبعين بدا واضحاً ارتباكه، وذلك نتيجة غياب خريطة طريق واضحة المعالم تقود نحو هدف محدد، وبوجود استراتيجية تحظى بموافقة أعضائه التسعة والعشرين، تكون بمثابة الغراء الذي يشدهم كتلة واحدة.
تاريخياً، يمكن القول إن قِصرَ الآجَالِ من طبيعة الأحلاف العسكرية، حسبما يؤكد العقيد في الجيش الأميركي الأستاذ في معهد «بروكينغز» للدراسات العسكرية باتريك وارن. فقد وجد من خلال دراسته للأحلاف العسكرية خلال الـ500 سنة الأخيرة أن أطول الأحلاف عمراً لم يستغرق أكثر من 15 عاماً، ونصفها انفرط عقده عقب انقضاء ست سنوات على تأسيسه، وأغلبها ينفرط عقده نتيجة انهيار اللاعب الأكبر فيه، مثلما حدث لـ«حلف وارسو» بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
حلف منظمة اتفاقية شمال الأطلسي - ناتو تأسس في لندن، عام 1949، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وبعد سنوات، انتقل بمقر قيادته إلى بروكسل. الأعضاء المؤسسون للحلف اثنتا عشرة دولة، وحالياً يصل عدد أعضائه إلى 29 دولة، وقريبا جداً تنضم إليهم دولة ماسيدونيا الشمالية الجديدة، ليصبح عددهم 30. تزايد عدد الأعضاء ترافق متزامناً مع اتساع رقعة المساحة الجغرافية الخاضعة لسيطرة الحلف بشكل ملحوظ نتيجة انضمام دول أوروبا الشرقية إليه.
حين سقط الاتحاد السوفياتي، اختفى معه «حلف وارسو» العسكري، الأمر الذي كان يعني ضمنياً انتفاء الحاجة لبقاء «حلف الناتو» لاختفاء سبب وجوده. لكن الحلف، على عكس توقعات المحللين، بقي واقفاً على قدميه. وواتته الفرصة للإعلان عن وجوده وفعاليته ثانية حين اشتعلت حرب البلقان، ثم لحقتها أحداث «11 - 9»، وما أعقبها من حروب طويلة في أفغانستان والعراق. وآخر تدخل للحلف كان في ليبيا عام 2011. وهذا التدخل الأخير، تحديداً، كشف بما لا يترك مجالاً لشك مدى الارتباك السائد بين الدول الأعضاء، وغياب التوافق بينها. فالولايات المتحدة، قائدة الحلف، قبلت مترددة المشاركة في حملة «الناتو» في ليبيا، ثم سرعان ما انسحبت تاركة لدول أوروبا إنهاء المهمة. وألمانيا رفضت المشاركة، وإيطاليا رفضت في البداية، ثم قبلت فيما بعد المشاركة، وكذلك الدنمارك.
وصول الرئيس دونالد ترمب إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض عام 2016 زاد في حجم رقعة الارتباك، بإصراره على رفض تحمل بلاده تكاليف دعم الحلف وحدها، مما اضطر بعضاً من الدول الأعضاء إلى الاستجابة لتلك الدعوة الرئاسية، والموافقة على رفع ميزانيات الدفاع في بلدانها إلى 2 في المائة من مجموع الدخل القومي، مما يعد إنجازاً للرئيس ترمب. لكن ما زال أكثر من نصف الأعضاء غير قادرين على الوفاء بهذا الالتزام المالي، أو يماطلون.
الاختلافات في وجهات النظر بين الدول الأعضاء حول استراتيجية الحلف المستقبلية تؤكد أن الحلف يمر بمرحلة من أشد مراحله تعقيداً، وقد تؤدي إلى نهايته، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، مؤخراً، بأن الحلف يعد في حالة موت دماغي. الرئيس ماكرون قال إن روسيا لم تعد عدواً للحلف، ودعا إلى توثيق الأواصر مع موسكو، وطالب بوضع استراتيجية جديدة تحل بديلاً لقيادة أميركا للحلف في الدفاع عن أوروبا. ماكرون يرى أن الإرهاب، وليس روسيا أو الصين، هو العدو الرئيسي للناتو. وكذلك شكوكه في مدى إمكانية تفعيل «المادة 5»، المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الدفاع الجماعي، وإدانته للغزو التركي لشمال سوريا من دون رد فعل من «الناتو». تصريحات ماكرون قوبلت باستهجان من قبل الرئيس الأميركي والمستشارة الألمانية والأمين العام للحلف، وأثارت قلقاً وانزعاجاً في دول شرق أوروبا القريبة من مخالب الدب الروسي.
هناك أيضاً التجاوزات التركية التي تجاوزت ما تم التعارف عليه في الحلف بالخطوط الحمراء، لدى قيام الرئيس التركي إردوغان بعقد صفقة صواريخ أرض - جو مع روسيا. أضف إلى ذلك غزو الجيش التركي لأراضٍ شمال سوريا واحتلالها، وإصرار الرئيس إردوغان على وضع الجماعات الكردية المسلحة على قائمة الإرهاب.
المعضلة الحقيقية التي تواجه قادة حلف الناتو تتمثل في تحديد الجهة المقابلة له - العدو: روسيا أو الصين، أم الإرهاب؟ تحديد الهدف الأول - العدو الأول يتطلب توافقاً غير متوفر حالياً بسبب اختلاف الأولويات والمصالح لدى الدول الأعضاء.
لقاء لندن الأخير لم ينتج عنه ما يمكن أن يكون اتفاقاً أولياً، ومؤشراً إلى هدف واضح يتيح توجيه مسار الحلف وتسخير إمكانيته نحوه، وانتهى مثل أي اجتماع روتيني قصير عاجل، مما زاد حالة الارتباك، رغم ما جاء في البيان الختامي.
الواضح أن حلف الناتو، رغم إصرار قادته على استمرار جدواه، قد بلغ سن التقاعد؛ وهذه حقيقة. وإن أعضاءه ليسوا في حاجة إلى ضخ دم حياة في جسد كيان استنفد قواه، بل هم في حاجة إلى إيجاد بديل أمني جماعي أكثر وألصق انتماءً بتحديات القرن الحادي والعشرين، وتعقد إشكالاته، وتنوع فضاءاته واختلافها، وتحول ميادين معاركه مستقبلاً نحو الفضاء الخارجي نتيجة التقدم العلمي الهائل، خصوصاً في مجال تقنية الفضاء.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة