المنجّد وهجومه المسفُّ

المنجّد وهجومه المسفُّ

الأحد - 27 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 24 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14971]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

بحثت في كتاب سليمان الخراشي «عبد الله القصيمي: وجهة نظر أخرى!» ذي الثمانمائة وثمانٍ وسبعين صفحة، عن بيّنة تسند حكمه بأن كتاب عبد الله القصيمي «الصراع بين الإسلام والوثنية» ما هو إلا اختصار لكتاب ابن تيمية «منهاج السنة»، ولم أعثر عليها فيه، رغم أنه بعد أن أطلق هذا الحكم، قال: «كما سيأتي إن شاء الله». «ص36».
خمّنت في البداية وقبل أن أبحث في كتابه صفحة صفحة، أن تكون البيّنة التي وعد في صفحة 36 بأن يأتي بها في صفحة من صفحات الكتاب القادمة، إما أن تكون موجودة في أحد من الردود التي جمعها في كتابه والتي يبلغ عددها أربعة عشر رداً، وإما أن يكون هو صاحبها، فيذكرها في حاشية من حواشيه على الردود.
ولتتأكد -عزيزي القارئ- أن الخراشي لم يأتِ بما وعد به في صفحة 36، سأقف بك على الصفحات التي جرى فيها ذكر كتاب القصيمي «الصراع بين الإسلام والوثنية» بعد تلك الصفحة من كتابه.
من صفحة 135 إلى صفحة 189، نقل الخراشي ما قاله القصيمي في مقدمة الجزء الأول من كتابه «الصراع...». ومن صفحة 190 إلى صفحة 199، نقل الخراشي ما قاله القصيمي عن مناسبة تأليفه هذا الكتاب، ونسخ صورة من فهرس هذا الجزء من الكتاب، وأورد قصيدة الشيخ عبد الظاهر أبو السمح في تقريظ الجزء الأول من الكتاب.
ومن صفحة 200 إلى صفحة 237، نقل الخراشي ما قاله القصيمي في مقدمة الجزء الثاني من كتابه، ونسخ صورة من فهرس هذا الجزء، ونسخ صورة غلاف الجزء الأول.
في هذه الصفحات التي سردت محتوياتها لم يأتِ ببيّنته التي وعد بالإتيان بها في صفحة 36، ولم يأتِ بها في الحاشيتين اللتين كتبهما في صفحتي 212 و213.
المرة الثانية التي جرى فيها ذكر كتاب القصيمي «الصراع...» كانت في صفحة 247، ففي متن هذه الصفحة يقول رفيقه في الدراسة بالجامع الأزهر الشيخ عبد الله بن علي بن يابس: «فألّف كتابه (الصراع بين الإسلام والوثنية)، وفي أثناء ما هو يكتب الجزأين الأول والثاني أخذ يقرأ بعض كتب غوستاف لوبون، وهو رجل فرنسي من رجال الثورة الفرنسية، وهذا الرجل معروف عنه عداوته للإسلام منذ رضع من لبن أمه»!
وفي حاشيتها يقول سليمان الخراشي عن كتاب القصيمي: «سبق الحديث عن هذا الكتاب، وأن سبب تأليفه أن الشيخ نصيف حثه على الرد على كتاب الرافضي«!» محسن الأمين (كشف الارتياب عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) التي تهجم عليها، وعلى دعاتها وحماتها -بعد الله-: الدولة السعودية وملوكها، فامتثل «!» القصيمي لطلب نصيف -رحمه الله».
وقوله: «سبق الحديث عن هذا الكتاب»، يشير تحديداً إلى صفحة 190 في كتابه، وهي الصفحة التي ذكر القصيمي فيها سبب تأليفه كتابه.
وكما ترى -عزيزي القارئ- فإن هذه الحاشية قد خلت من سَوْق بيّنته التي وعد بها.
المرة الثالثة التي جرى فيها ذكر كتاب القصيمي «الصراع...» كانت في صفحتي 758 و759. يقول فيهما صلاح الدين المنجّد: «وأتبع القصيمي مؤلفه الأول بمؤلَّف ثانِ أراد أن يتحدى به الأزهر وعلماءه جميعاً سماه (الصراع بين الإسلام والوثنية) صدر في ثلاثة أجزاء، بلغت ألفين وخمسمائة صفحة، دافع به عن الإسلام والتوحيد أمجد دفاع، وكان دفاعه مملوءاً بالقوة والحرارة والحجة. وروى لي القصيمي أن أهل نجد، وهم المتمسكون بالدين الصحيح والتوحيد الخالص، فرحوا بهذا الكتاب أعظم الفرح، حتى إنهم قالوا للملك عبد العزيز: «لقد دفع القصيمي مهر الجنة بكتابه هذا». وسواء كان هذا القول صحيحاً أم وضعه القصيمي مستخفاً بالنجديين، أو مقرّظاً عمله الذي قام به، فإنه يدل على أن القصيمي كان مؤمناً، مندفعاً في إيمانه وإخلاصه للإسلام والتوحيد. وسارع الكثيرون من العلماء لتقريظ الكتاب والثناء عليه، شعراً ونثراً، فمما قاله إمام الحرم المكي يومذاك: «... وشعر القصيمي، بعد كتابه هذا، بكثير من الزهو والفخر، فألفان وخمسمائة صفحة في الدفاع عن الدين والإيمان وتحطيم الوثنية والكفر تكفي لتجعل منه الشيخ الذي يُنظر إليه بعين الرضا في كل مكان، والذي يحق له أن يتصدر المجالس والحلقات. ولكن إذا كان أهل نجد هلّلوا للكتاب، فقد تجاهله علماء الأزهر ولم يوفّوه حقه من التقدير، وكانت عُقدة نفسية جديدة عند القصيمي، أُضيفت إلى العقدة التي سببها طرده من الأزهر من قبل».
الخراشي كتب حاشية علق فيها على قول المنجّد: «أم وضعه القصيمي مستخفاً بالنجديين...»، قال فيها: «وهذا هو الأقرب!»!
المرة الرابعة التي جرى فيها ذكر كتاب القصيمي «الصراع...» كانت في صفحة 798، وهي قول أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري عن القصيمي: «ولهذه العواطف أرجو له في شخصه أن يهديه الله للإيمان قبل الغرغرة، فتكون خاتمته حسنة إن شاء الله، فإن هذا الرجل الذي ألّف (الصراع بين الإسلام والوثنية) ممن يؤسف له على الكفر».
المرة الخامسة كانت في صفحة 829، وهي قول أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري عن القصيمي -وهو يناقش كتابه «العالم ليس عقلاً»: «ويعلم رابعة- وهو ذو إشراف على العلم الشرعي لمّا كان صاحب كتاب «الصراع بين الإسلام والوثنية»...»...
المرة السادسة كانت في صفحة 851، وهي قول صالح العصيمي التميمي -نقلاً عن كتاب يورغن فازلا «من أصولي إلى ملحد»: «ثم بلغ قمته عندما رد على الكاتب الشيعي السوري محسن العاملي، الذي ألّف كتاباً بعنوان (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب)، تعرّض فيه للدعوة السلفية التي أحياها المجدد شيخ شيوخ الإسلام«!» انبراء الأسود «!»، وردّ عليه ردّ الفحول «!» في كتابه الكبير (الصراع بين الإسلام والوثنية)».
وبمناسبة إيراد هذا النص الذي ينسبه صالح العصيمي التميمي إلى يورغن فازلا، وأحال إلى صفحة 58 من كتابه، سيعرف أي إنسان حتى لو كان على قدر متواضع من الثقافة والمعرفة لا من العقل والإدراك، أن فازلا لن يقوله بالصيغة التي تقدمت من دون أن يرجع إلى تلك الصفحة التي أحال صالح العصيمي التميمي إليها. وسآتي لك -عزيزي القارئ- بنص السطرين اللذين زوّرهما صالح العصيمي التميمي.
يقول يورغن فازلا -وهو يتحدث عن كتاب السيد محسن الأمين ورد القصيمي عليه: «في عام 1927 نشر الكاتب الشيعي المعروف محسن الأمين العاملي (1867 – 1952) كتابه الخصامي (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب)... ويعتبر هذا الرد من أكبر المؤلفات المضادة للشيعة، وهو مؤلَّف صخم يتألف من مجلدين، ويحتوي على أكثر من 1600 صفحة».
وكان صالح العصيمي التميمي قبل هذا الاقتباس من فازلا قد تلاعب باقتباسين آخرين منه: الأول يتعلق بما قاله فازلا عن نقد القصيمي لكتاب محمد حسين هيكل «حياة محمد»، والآخر يتعلق بما قاله عن كتاب القصيمي «الثورة الوهابية». كما أنه نسب قولاً قاله صلاح الدين المنجّد عن القصيمي في كتابه «دراسة عن القصيمي» إلى فازلا. هذا القول الذي نسبه خطأً إلى فازلا هو جزء من النص الذي اقتبسناه من المنجّد أعلاه، وذلك ابتداءً من عبارة «وشعر القصيمي، بعد كتابه هذا» إلى أن نصل إلى كلمة «المجالس»، وهي بعض الأسطر التي كان المنجّد يمهد فيها لاختلاق عقدة نفسية جديدة عند القصيمي، يضيفها إلى عقدة نفسية كان قبلها قد افتراها عليه، وهي -كما سماها- عقدة الطرد من الأزهر والتي يدّعي أنها «دفعته فيما بعد للتحول عن نهج الدين، كما وقع لطه حسين»!
نعود إلى أصل حديثنا، وهو أنه لا يوجد في الردود على القصيمي التي جمعها الخراشي في كتابه، رد قال إن كتابه «الصراع...» اختصار لكتاب ابن تيمية «منهاج السنة»، ولا يوجد في حاشية من حواشيه على الردود بيّنة على حكمه الذي أطلقه جزافاً. وكما رأينا، فإن صلاح الدين المنجّد مجّد وعظّم كتاب القصيمي «الصراع...»، فلو أن في الكتاب الشبهة العلمية التي رماها به الخراشي، لكان هو عرف بذلك، لأنه خبير بكتب ابن تيمية.
وبعيداً عن حكم الخراشي المرسل على كتاب القصيمي «الصراع...»، فإن تمجيد وتعظيم المنجّد لهذا الكتاب، استرعى انتباهي، لأنه في كتابه «دراسة عن القصيمي» أراد أن يحطّم ويهشم القصيمي على المستويات كافة، وبأي وسيلة كانت مهما تدنّت، ومع هذا فإنه قد استثنى كتابه «الصراع...» من هذه الإرادة التدميرية!
فعلى المستوى العلمي -وهو أحد المستويات التي أشير إليها- قلل من شأن تكوينه العلمي الديني في الهند، واتهمه بأنه في كتابه «البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية» الذي رد به على مقالات الشيخ يوسف الدجوي، ما ترك طعناً إلّا ألصقه بالشيخ الأعمى، كما أنه قد برر طرده من الأزهر!
والحقّ أن ما فعله القصيمي مع الشيخ الدجوي من نقاش حاد وتهكمي، يعد شيئاً لا يُذكَر بالمقارنة مع هجوم المنجّد المسفّ على القصيمي، شخصاً وعائلة ومستوى اجتماعياً.
السبب الآخر، أن الدمشقي صلاح الدين المنجّد متزوج من دنيا جميل مروة أخت الصحافي كامل مروة صديقه الحميم وأستاذه في الكتابة الصحافية، وآل مروة من شيعة لبنان. والذي رد القصيمي عليه السيد محسن الأمين هو «إمام» و«مجتهد أكبر» عند الشيعة. وللتصحيح فإن السيد محسن الأمين لبناني من جبل عامل وليس سورياً، كما ذهب إلى ذلك فازلا، واللبس أتى من هجرة السيد محسن الأمين إلى دمشق وإقامته فيها لغرض دعوي إليها ودعائي إلى مذهبه لمدة نصف قرن. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة