علي المزيد
كاتب وصحفي سعودي في المجال الاقتصادي لأكثر من 35 عاما تنوعت خبراته في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. ساهم في تأسيس وإدارة صحف محلية واسعة الانتشار والمشاركة في تقديم برامج اقتصادية في الإذاعة السعودية، ومدير التحرير السابق لصحيفة الشرق الأوسط في السعودية وهو خريج جامعة الملك سعود.
TT

لنقلد الغرب

أُتيح لي أن أعيش في بريطانيا نحو ثلاثة أشهر منذ شهر يوليو (تموز) الماضي، وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، غادرت إلى الولايات المتحدة الأميركية وما زلت بها حتى كتابة هذه السطور.
هذه المدة أتاحت لي الاحتكاك بالجالية العربية ومعظمهم من الدارسين الذين يحضّرون الماجستير أو الدكتوراه، وطبيعي أن لهم أبناء يدرسون في الصفوف الأولى من التعليم، لفت نظري أن أبناءهم لا يُكلَّفون بواجبات مدرسية يؤدونها في منازلهم، بل يؤدون الواجبات في المدرسة وبمساعدة مدرسيهم، رغم أن زمن الدراسة لديهم مساوٍ لما يقضيه طالب عربي في مدرسة عربية في وطننا العربي الكبير، وأنا كنت طالباً وكنت أكلَّف بواجبات وفروض مدرسية تجلب لي الملل لطول الوقت الذي أقضيه في أدائها.
عدم إعطاء واجبات مدرسية للطلبة في المرحلة الابتدائية ينطبق على البلدين، بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، باستثناء واجب واحد اتفق عليه البلدان، وهو إخبار ذوي الطالب أن عليهم أن يجعلوا ابنهم أو ابنتهم يقرأ أو تقرأ خمس عشرة دقيقة في اليوم الواحد، سواء من الكتب المناسبة لأعمارهم والتي تؤمّنها مكتبة المدرسة على سبيل الإعارة، أو القصص التي يشتريها ذوو الطالب إذا كانوا ميسوري الحال.
هذا جعلني أعرف سرّ تعلق الفرد الغربي بالقراءة، وهذا ظاهر للعيان، فهم يقرأون في كل مكان؛ في محطة القطار، وفي المطارات، وفي المقهى وغيرها من الأماكن، بمعنى أن عادة القراءة خُلقت معهم منذ الصغر.
كنت قد كتبت الأحد الماضي أن الأدب لا يؤكل عيشاً في الشرق، ولكنه في الغرب يؤكل عيشاً بسبب تعويد الناس ومنذ الطفولة على القراءة لتصبح متلازمة لا غنى عنها في الغرب.
وهذا خلق اقتصاديات للكتاب في الغرب، منها فائدة المؤلف المادية وخلق صناعة يعيش عليها عدد غير قليل من الناس بدءاً من الباحثين والمساعدين للكاتب، وصولاً إلى الناشر والمطابع والموزع، وأخيراً منافذ البيع، وتأتي بعد ذلك الوظائف التي يخلقها بيع الكتاب المستعمل، وهي منتشرة في الغرب.
لو حاول كل وزير تعليم عربي الاسترشاد بمدارس الغرب والبدء من حيث انتهى الآخرون لخلقنا جيلاً قارئاً، ولخلقنا اقتصاديات للكتاب أياً كان نوعه سواء تقليدياً أو إلكترونياً.
وزراء التعليم العرب معظمهم آباء وكانون يعانون من كثافة المناهج المقررة على أبنائهم ولكنهم حينما يصلون إلى مركز وزير التعليم لا يغيّرون شيئاً ولا أعرف السبب، هل هو الخوف من التغيير أم بيروقراطية الجهاز الحكومي؟
كلي أمل أن يقلد وزراء التعليم العرب الغرب في خلق هذه العادة الحميدة لدى نشئنا، وأعقد الأمل على وزير التعليم السعودي الدكتور حمد آل الشيخ، أن يقود ذلك في المدارس السعودية، لعلها تكون قدوة لبقية مدارس عالمنا العربي وبالطبع مع تخفيف الواجبات المدرسية أو حتى إلغائها.