أزمة التعلم تتطلَّبُ أسلوباً جديداً

أزمة التعلم تتطلَّبُ أسلوباً جديداً

الاثنين - 21 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 18 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14965]
ديفيد مالباس
- رئيس مجموعة البنك الدولي

بلوغ سن العاشرة لحظة مثيرة لمعظم الأطفال، فهم يزيدون من معرفتهم بالعالم ويوسعون أفقهم.
غير أن أعداداً ضخمة من الأطفال (أكثر من نصف جميع الأطفال في سن العاشرة بالبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل) لا يمكنهم قراءة قصة بسيطة وفهمها. إنَّنا في خضم أزمة تعلم عالمية تخنق الفرص وتقتل تطلعات مئات الملايين من الأطفال. وهذا أمر غير مقبول.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدرنا بيانات تدعم هدفاً جديداً للتعلم: نريد خفض مستوى فقر التعلم إلى النصف على الأقل بحلول عام 2030.
إن تعلم القراءة مهارة بالغة الأهمية: فهي تفتح عالماً من الإمكانات، وهي الأساس الذي يقوم عليه تعلّم غيرها من الموضوعات الضرورية؛ بما في ذلك الحساب والعلوم. إن إنهاء فقر التعلم، الذي يُعرّف بأنه النسبة المئوية من الأطفال في سن العاشرة ممن لا يستطيعون قراءة قصة بسيطة وفهمها، مسألة ملحة، وهو أساس للقضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك، وهو أساس كذلك لمساعدة الأطفال على تحقيق إمكاناتهم.
ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية، لم يتحقق تقدم في الحد من فقر التعلم. فعلى مستوى العالم بين عامي 2000 و2017، لم تتحسن نتائج التعلم للأطفال في سن الدراسة الابتدائية إلا بنسبة 10 في المائة. وإذا استمرت هذه الوتيرة، فلن يتمكن 43 في المائة من الأطفال في سن العاشرة من القراءة في عام 2030.
ففي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعدّ فقر التعليم كارثة؛ حيث إن 59 في المائة من الأطفال في سن العاشرة لا يستطيعون قراءة قصة بسيطة. ويعدّ فقر التعليم أكثر سوءاً في البلدان المتأثرة بالصراعات مثل اليمن، حيث لا يستطيع نحو 9 أطفال من بين كل 10 تحقيق هذا الهدف البسيط. كما تعاني أيضاً البلدان مرتفعة الدخل في المنطقة من فقر التعليم؛ حيث إن طفلاً تقريباً من بين كل 3 أطفال في سنة العاشرة لا يستطيع قراءة أو فهم نص بسيط.
الخبر السارّ هو أن الأطفال الذين سيبلغون سن العاشرة في عام 2030 سيولدون العام المقبل. فإذا عملنا بشكل عاجل، فستكون هناك فرصة لتغيير هذا الاتجاه.
إن الهدف الذي حددناه هدف طموح، وهو قابل للتحقيق، وينبغي أن يحفز العمل نحو بلوغ الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: ضمان التعليم الجيد للجميع. وسيتطلب تحقيقه زيادة معدل التقدم العالمي نحو 3 أضعافه، وهو ما يمكن الوصول إليه إذا استطاع كل بلد أن يضاهي أداء البلدان التي حققت أكبر تقدم بين عامي 2000 و2015.
وتظهر بلدان كثيرة أن تحقيق تقدم سريع أمر ممكن؛ ففي كينيا، زاد برنامج القراءة الوطني الحكومي نسبة طلاب الصف الثاني الذين يستطيعون القراءة بشكل مناسب، أكثر من 3 أمثالها. تحقق ذلك من خلال تدريب المعلمين بدعم تكنولوجي، وأدلة المعلمين، وتقديم كتاب واحد لكل طفل.
وفي فيتنام، يضمن منهج دراسي فعّال يخلو من الحشو تغطية الأساسيات، والتعلم العميق للمهارات الأساسية، ويتيح لجميع الأطفال مواد للقراءة. وحقق الطلاب الفيتناميون في مستوى الأربعين في المائة الأدنى على سلّم الدخل نتائج تعلم معادلة لنتائج الطالب المتوسط في البلدان مرتفعة الدخل أو أعلى منها.
ستختلف التحديات أمام الحدّ من فقر التعلم بين البلدان والمناطق... ففي بعض البلدان، لا يزال الوصول إلى المدرسة يمثل مشكلة كبيرة، ففي عام 2018 كان هناك 258 مليون شاب غير مقيد بالدراسة على مستوى العالم. وفي بلدان أخرى، يوجد أطفال في الفصول الدراسية بيد أنهم لا يتعلمون. لكن من خلال تحديد هدف عالمي، يمكن للبنك الدولي العمل مع مختلف البلدان لتحديد أهداف التعلم الوطنية الخاصة بها.
إن الحد من فقر التعلم إلى النصف بحلول عام 2030 ليس سوى هدف وسيط. لكن طموحنا هو العمل مع الحكومات وشركاء التنمية للوصول بهذه النسبة إلى الصفر.
وسيعمل البنك الدولي، بوصفه أكبر ممول للتعليم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مع البلدان المعنية لتعزيز إتقان القراءة في المدارس الابتدائية. وتشمل السياسات في هذا الصدد توفير إرشادات مفصلة وتقديم تدريب عملي للمعلمين، وضمان الحصول على نصوص أكثر ملاءمة لعمر الطلاب، وتعليم الأطفال باللغة التي يستخدمونها في المنزل.
يعمل البنك الدولي أيضاً مع الحكومات وشركاء التنمية لتحسين أنظمة التعليم بأكملها، بحيث تتسنى مواصلة التقدم في معرفة القراءة والكتابة وتوسيع نطاقها. وهذا يعني التأكد من أن الأطفال يحضرون إلى المدرسة مستعدين ومتحمسين للتعلم؛ وأن المعلمين يتسمون بالكفاءة ويتمتعون بالتقدير ولديهم إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا؛ وأن الفصول الدراسية تتيح مساحة جيدة مُجهّزة للتعلم؛ وأن المدارس آمنة وشاملة لجميع الطلاب؛ وأن أنظمة التعليم جيدة الإدارة.
وتساند أي أجندة طموحٍ للقياس والبحث هذه الجهود؛ وهي تشمل قياس مخرجات التعلم ومحفزاته، واستمرار البحث والابتكار، والاستخدام الذكي للتقنيات الجديدة حول كيفية بناء المهارات الأساسية.
فأزمة التعلم لا تهدر إمكانات الأطفال فحسب؛ بل تضر أيضاً اقتصادات بأكملها. وسيؤثر ذلك سلباً على القوى العاملة المستقبلية والقدرة التنافسية الاقتصادية؛ كما يوضح «مؤشر رأس المال البشري» للبنك الدولي، فعلى الصعيد العالمي، من المتوقع أن تشكل إنتاجية الطفل متوسط المولد اليوم 56 في المائة فقط مما ستكون عليه الحال لو كانت البلدان استثمرت ما يكفي في الصحة والتعليم.
يجب أن يمثل القضاء على فقر التعلم أولوية، مثله تماماً مثل إنهاء الجوع والفقر المدقع. لن يكون الأمر سهلاً، لكن ليس بوسعنا أن نتراجع أمام التحدي. فنحن مدينون للأطفال في جميع أنحاء العالم بأن يكون طموحنا عالياً، كي يفعلوا الشيء نفسه.
- رئيس مجموعة البنك الدولي


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة