الحلاقة غداً مجاناً

الحلاقة غداً مجاناً

الأحد - 28 صفر 1441 هـ - 27 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14943]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
دراما شكسبيرية سياسية، تنتمي لعصر إليزابيث الأولى تدور على مسرح العصر الإيزابيثي الراهن غير قادرة على إكمال نفسها. مؤلفوها ليسوا شكسبير ومعاصريه كريستوفر مارلو، وبن جونسون، وجون ميرتون، وفرانسيس بيمونت، وتوماس ميدلتون، وجون وبستر كتاب دراما مطلع القرن السابع عشر بمؤامراته واغتيالاته والحرب الأهلية التي غيرت علاقة البرلمان بالتاج والشعب، لكن المؤلفين في الدراما المستمرة منذ 2016 هم أيضاً الممثلون.
يبدون كمؤلف دخل متاهة دائرية يعجز عن إكمال فصلها الأخير في مشهد يتغير ديكوره من مجلس العموم، إلى مكتب كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، إلى قاعة لقاء المجلس الأوروبي، إلى 10 داونينغ ستريت، وعودة إلى مجلس العموم.
أذكر في قصة من كتاب المطالعة في المدرسة الابتدائية حكاية رجل يقرأ لافتة «الحلاقة غداً مجانا»، فيذهب في الصباح لحلاقة ذقنه. وقبل إطلاق سراحه من كرسي الحلاق الممسك بالموس فوق ذقنه يقدم له الفاتورة. إشارة الزبون إلى اليافطة تقابل بهزة الرأس من الأسطى المزين الذي يقول له «نعم... هذا غداً... أما اليوم فالحلاقة بالثمن الكامل».
ويتكرر المشهد يومياً مع الزبائن الآخرين.
خدعة الحلاق الفصيح يلعبها تحالف الساسة الذين يريدون إبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. الديمقراطيون الأحرار يعلنون نيتهم في إلغاء «البريكست»، كذلك الحزب القومي الأسكوتلندي ومصلحته تذويب الهوية البريطانية في اتحاد فيدرالي أوروبي تكون فيه أسكوتلندا مجرد ولاية تتساوى مع إنجلترا؛ ومتمردون من حزب الحكومة لهم مصالح مرتبطة بأوروبا أو من دوائر صوتت للبقاء، وحزب العمال، ينقسم ناخبوه بين المعسكرين، فيحاول التأجيل داعياً إلى استفتاء ثانٍ.
فكرة الحلاقة غداً مجاناً يقابلها المثل الإنجليزي «تحريك قوائم المرمى بعد ركلة الكرة»... فكلما استجابت حكومة بوريس جونسون إلى شروط النواب البقائيين أعادوا تفسير الشروط قبل انتهاء المهلة.
منحتهم محكمة قضية تأجيل البرلمان أكثر من الوقت الذي اشتكوا من فقدانه لمناقشة اتفاق لم يحسبوا أن بقدرة جونسون التوصل إليه مع بروكسل، بعد أن أصدروا قانوناً يلزم الحكومة بتمديد فترة البقاء في حالة عدم التوصل إلى اتفاق، وكان هناك يوم إضافي بانعقاد البرلمان يوم السبت وهو أمر نادر الحدوث.
وقبل أن تصل الكرة إلى مرمى «البريكست» فوجئ الناس بالحكم الذي يفترض فيه الحياد، رئيس البرلمان، يخرج عن لائحة قواعد اللعبة وسمح للبقائيين بتحريك قوائم المرمى في اتجاه آخر. تعديل آخر يلزم البلاد بعدم الخروج إلا بعد أن يناقش البرلمان كل تفاصيل الاتفاق الجديد ويوافق عليه.
أصروا على أن المدة لا تكفي لدراسة الاتفاق الجديد (118 صفحة) مقارنة بالاتفاق السابق وكان 560 صفحة درسوها بالتفصيل لأشهر طويلة. الفارق في النسخة فصلان مجموعهما 23 صفحة تشمل تفاصيل التعاريف الجمركية المختلفة بين الآيرلنديتين وبين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وأيضاً حق البلاد في إجراء اتفاقيات تجارة مستقلة. 23 صفحة مقارنة بالصحافيين ومطلوب منا استيعاب تفاصيل هذه الأوراق وتلخيصها للقراء في سباق مع الزمن، بينما النواب يوظفون باحثين في مكاتبهم ومساعدة من العاملين من مكتبة البرلمان وهي في ضخامة مصلحة حكومية.
جونسون استجاب وأرسل خطاباً إلى بروكسل يطلب التأجيل، والدائرة المغلقة مستمرة، سفراء بلدان الاتحاد وافقوا على الاتفاق مبدئياً بلا موعد محدد نهائي في انتظار موافقة مجلس العموم. أحزاب المعارضة يشترطون على جونسون إصدار وعد مكتوب بألا يستخدم تهديد عدم توقيع اتفاق تجارة مع بروكسل كورقة تفاوض للحصول على شروط أفضل ويبررون عدم موافقتهم على اتفاق الأسبوع الماضي بعدم ثقتهم في جونسون. إذا كنتم لا تثقون بي، قال الرجل، اسحبوا الثقة من حكومتي ولنعد للشعب ليقرر. المعارضة تراجعت لأنها تخشى يوم الحساب من الناخب الذي خدعوه بعدم الوفاء ببرنامجهم الانتخابي.
جونسون يقدم نفسه كروبن هود المعاصر. نصير الشعب ضد المؤسسة السياسية الحاكمة في عصر العولمة كما ظهر في تصويت «البريكست» الذي كان رفض الناخب لصفوة حاكمة شك في حقيقة تمثيلها له فأثبتت له أن شكه في موضعه.
تعبير «الطبقة العاملة» لم يذكر ولو مرة واحدة في خطب زعماء حزب العمال، في السنوات الأخيرة.
وعلى العكس كان نصف وزراء حكومة العمال بزعامة كليمنت أتلي في 1945 عمالاً حقيقيين في مناجم ومصانع وورش قبل دخول عالم السياسة.
نسبة من عملوا خارج إطار السياسة بين نواب مجلس العموم اليوم هي ثلاثة في المائة فقط. خريجو الجامعات ينظرون إلى قضايا كالعولمة والهجرة وعضوية الاتحاد الأوروبي بمنظور يختلف عن أبناء عمال المصانع والصيادين والفلاحين، 72 في المائة من الفئات الأخيرة صوتوا لـ«البريكست»، مقابل 35 في المائة فقط من خريجي الجامعات.
شخصيات كوزير المالية، ساجد جويد ابن المهاجر الباكستاني، ووزيرة الداخلية، بريتي باتيل، ابنة مهاجرين هنود، تعتبرها النخبة الحاكمة (البرلمان، المحكمة العليا، البي بي سي)، من «أقصي يمين المحافظين»، بينما الناخبون الذين لم يتمتعوا بحظوظ أبناء الأثرياء، يثقون بهما. الشعب يرى ابنة المهاجر الهندي معتدلة تتعامل بمسؤولية مع قضايا تهمهم كالجريمة والهجرة غير الشرعية.
جونسون يراهن بخطوة مثلثة الأبعاد قد تغير التوازنات. ألقى قفاز التحدي للبقائيين والمعارضة بطرح مشروع الانتخابات العامة يوم 12 ديسمبر (كانون الأول)؛ ومنح البرلمانيين فترة إضافية لدراسة اتفاق الخروج؛ وتمديد «البريكست» بفترة مؤقتة.
جونسون خسر قرار جدولة التصويت على اتفاق «البريكست» بـ14 صوتاً، هذه المرة يكفيه إقناع عدد مماثل بمجرد الامتناع عن التصويت للنجاح. خطوة تتبعها انتخابات يكسب فيها أغلبية مريحة، فانطباع معظم الناخبين أن نواب البرلمان يتآمرون مع بروكسل لعكس نتيجة الاستفتاء.
إذا رفضت المعارضة تمرير اتفاق بروكسل وجونسون، ستخوض حكومته معركة علاقات عامة خارج البرلمان وتقدم نفسها كممثل للشعب ضد «خصوم الديمقراطية».
حزب العمال المعارض ممزق في خياره إما انتخابات تكون نتائجها كارثية له لتخليه عن الطبقة العاملة التي يفترض أنه يمثلها؛ وبين خيار التيار البليري داخله الذي يريد إجراء استفتاء جديد بأمل أن يأتي بنتيجة جديدة تلغي الأولى. إزاحة «البريكست» كقضية انتخابية قد تمنح العمال فرصة التركيز على قضايا تكسب الأصوات كالصحة والتعليم ومشاريع البنية التحتية.
مشروع الاتفاق مع اقتراح الانتخابات تقدمه حكومة جونسون إلى البرلمان غداً، وقد تنجح المحاولة الثالثة فغداً، الاثنين، يوم الإجازة التقليدي للحلاقين.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة