ترمب ونهاية تصدير الأزمات

ترمب ونهاية تصدير الأزمات

الخميس - 18 صفر 1441 هـ - 17 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14933]
يضيق الخناق على الرئيس الأميركي دونالد ترمب. نزاعات شبه يومية مع الديمقراطيين وإعلان مجلس النواب بداية عملية العزل. وتقدم له الأزمة المستمرة مع إيران والغزو التركي لأراضي الجزيرة السورية المخرج المثالي الذي طالما اعتمده أسلافه عندما كانت تحاصرهم عواصف الداخل: تصدير الأزمة إلى الخارج. تارة على شكل أعمال عسكرية تفتقر الى التبرير الكافي وطوراً بصورة تصعيد دبلوماسي مع عدو اختير في اللحظة الأخيرة.
والحال أن ترمب أوقف ضربة كانت موجهة إلى أهداف إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي بعد إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة الاستطلاع «غلوبال هوك» فوق المياه الدولية، بحسب الرواية الأميركية. تخلى ترمب عن هذه الفرصة على الرغم من أنه كان وسط تداعيات نشر تقرير المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية روبرت مولر. تكرر السلوك ذاته في الأيام القليلة الماضية عندما أصر على سحب القوات الأميركية من شمال سوريا في الوقت الذي كانت القوات التركية تفتتح غزو منطقة الجزيرة وفيما كانت عملية العزل بعد طلبه من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التحقيق في نشاطات خصم ترمب الانتخابي المرشح الديمقراطي جو بايدن وابنه هانتر في أوكرانيا.
يستدعي هذا السلوك الذي لا يبدو مطابقاً لنماذج النزوع الإمبراطوري إلى تصعيد الصراعات في الخارج عند تفاقم المشكلات الداخلية، الانتباه إلى التغيرات العميقة التي تمر بها تصورات الولايات المتحدة لدورها في العالم والتي ربما يكون الرئيس السابق باراك أوباما أول من عبّر عنها بسلسلة من الخطوات من بينها الانسحاب من العراق والامتناع عن إنزال العقاب بالنظام السوري بعد استخدامه الغازات الكيماوية ضد المدنيين في غوطة دمشق في أغسطس (آب) 2013، يفيد (هذا الانتباه) إلى أن الولايات المتحدة تعيش حالة من التحولات العميقة على مستوى نظامها السياسي تظهر إحدى سماته في الانسحابات المتوالية من ساحات الصراعات الملتهبة واتخاذ مواقف عملية أكثر تقوم على المصلحة العارية من كل شائبة آيديولوجية.
وقد تكون لغة ترمب التي يربط بواسطتها تفسير كل خطوة يخطوها بضرورة دفع الحلفاء والأصدقاء بدلاً مالياً للولايات المتحدة، أو لاعتباره أن ما من مصلحة لبلاده في خوض «حروب سخيفة ولا تنتهي في بلاد يتقاتل سكانها منذ آلاف السنين»، هي الشكل الأبسط من توجه أعمق يتداوله عدد من المنظّرين السياسيين الأميركيين منذ أعوام. كما أن أوباما استخدم لغة مشابهة في مقابلة طويلة له سنة 2016 مع مجلة «أتلانتيك» التي وضعت عنواناً كبيراً للمقابلة هو «عقيدة أوباما» التي تقوم في أحد وجوهها على تجاهل الصراعات التي لا يمكن لواشنطن تحقيق نصر واضح وسريع وقليل الكلفة البشرية فيها. إضافة إلى عدم التورط في نزاعات جديدة معقدة قبل تحقيق الوعد الانتخابي بسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان.
تتضافر عوامل عدة في صوغ التوجه الأميركي الذي دشنه أوباما ويستمر ترمب في السير عليه، على الرغم من الحساسية الشديدة التي يشعر بها الأخير حيال كل ما يحمل اسم سلفه. العامل الأول هو تضاؤل القيمة الاستراتيجية للشرق الأوسط في نظر الولايات المتحدة. ذلك أن النفط الذي شكل السلعة الأهم في الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أخذت أهميته تتراجع مقابل صعود الطاقة البديلة ما مهد لفقدان نفط الشرق الأوسط الموقع المتقدم الذي احتله على جداول أعمال القوى الكبرى. انعكس ذلك على السياسة الأميركية التي تغيرت بؤرة اهتمامها من حماية النفط إلى مكافحة الإرهاب.
العامل الثاني يتلخص في اكتساب إسرائيل ما يكفي من القوة بحيث لم يعد أعداؤها يشكلون خطراً حقيقياً عليها. وسمح هذا الواقع لإدارتي أوباما وترمب بالانصراف إلى مسائل أبعد من توفير الحماية المباشرة لإسرائيل التي ما زالت حليفاً رئيساً لأميركا لكنها من نوع الحلفاء الذين أصبحوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم. العامل الثالث يكمن في صعود الصين كقوة عالمية اقتصادية وعسكرية تفرض على الآخرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، أخذها في عين الاعتبار وسط عالم تشتد فيه المنافسة على الأسواق ويحتل فيه اقتصاد المعرفة مكاناً يفوق أهمية اقتصاد السلع الاستراتيجية.
عليه، يجوز الاعتقاد أن النهج الأميركي المتسم بالمهادنة مع من يقعون – وفق التصورات التقليدية - في خانة الأعداء سيستمر ويتكرس في سياق تغيير كبير تشهده السياسة العالمية وتتقدمه الولايات المتحدة وينطوي على تقييم جديد للقوة العسكرية والوسائل الدبلوماسية على نحو يعكس التبدلات الداخلية في الدول الصناعية ونهوض فئات اجتماعية جديدة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة