معوقات الازدهار الاقتصادي في البلدان المتقدمة

معوقات الازدهار الاقتصادي في البلدان المتقدمة

الخميس - 11 صفر 1441 هـ - 10 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14926]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
تحقق أغلب البلدان المتقدمة النمو الاقتصادي بمعدل متوازٍ تقريبا، وذلك يرجع إلى الوثبات الكبيرة في التطور التقني والعولمة. لكن في كل عقد من الزمان، هناك نجوم يزداد تألقها عن نجوم أخرى في سماء الازدهار. وفي المعتاد، تنظر البلدان الغنية الأخرى إلى تلك النجوم الساطعة بحثا عن إشارات حول كيفية تعزيز معدلات النمو لديها.
وخلال العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، برزت كل من ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة في سماء النمو الاقتصادي. وتفوقت هذه البلدان الثلاثة مجتمعة على الولايات المتحدة في مضمار النمو الاقتصادي منذ عام 2009.
بالنسبة لكل دولة من هذه الدول، يمكن سرد قصة عن سبب نجاحهم وما حققوه من إنجازات. إذ يُعزى الأداء الألماني القوي في غالب الأمر إلى شركات الصناعات التحويلية الصغيرة ذات الإنتاجية العالية، والتناغم الفائق بين العمل المنظم والإدارة، ونظام التعليم المهني الرائع هناك، فضلا عن الفائض التجاري الكبير.
ويرجع الفضل في نجاح سنغافورة في بعض الأحيان إلى امتياز نظام التعليم، وتميز نظام الإسكان، والاستثمار الحكومي في مجال التكنولوجيا الحيوية، وغير ذلك من متطلبات الصناعات المتطورة. أما النمو المحقق في كوريا الجنوبية فيرجع إلى قوة ورسوخ الشركات الوطنية الكبرى، ولا سيما شركة سامسونغ العملاقة. ويميل بعض الكتاب، وأنا من بينهم، إلى توصية الولايات المتحدة بمحاولة استنساخ بعض من هذه السياسات الناجحة من أجل اللحاق بالركب المتطور.
لكن خلال السنة الماضية، بدأت اقتصادات هذه البلدان الثلاثة تبدو أكثر هشاشة. وبرغم أن الأرقام الاقتصادية الأميركية تعكس صورة أقوى، فإن ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إما أنها قد خبرت فترات الركود الاقتصادي أو هي قريبة للغاية منها.
سجل الاقتصاد الألماني انكماشاً خلال الربع الثاني من العام الجاري، ومن المتوقع أن يواصل الانكماش خلال الربع الثالث كذلك.
ويعد انخفاض الصادرات هو السبب الرئيسي وراء ذلك. ويرجع ثُمن هذا الأمر إلى التباطؤ الاقتصادي في الصين، والتي كانت من كبار زبائن أدوات الرأسمالية الألمانية وغيرها من المنتجات الأخرى. غير أن العالم بأسره لا يشتري الكثير من المنتجات الألمانية في هذه الأيام. وأينما ذهبت الصادرات، يذهب بقية قطاع الصناعات التحويلية.
يعتقد الزميل كريس براينت أن هناك عدد من الاتجاهات التي تعمل ضد كبريات الشركات الصناعية في البلاد. إذ تتعرض صناعة السيارات الألمانية وبصورة كبيرة للتغيرات المناخية العالمية، مع تشديد القواعد الرقابية الخاصة بانبعاثات الكربون مما يشكل تهديدا كبيرا على مستقبل السيارات العاملة بالديزل بصفة خاصة. وشرعت العديد من المدن الأوروبية بالفعل في حظر سير مركبات الديزل في شوارعها، كما تعهدت بعض بلدان المنطقة كذلك بحظر كافة أنواع المركبات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي في المستقبل القريب.
ويشير هذا التحول إلى إجراء تعديلات مؤلمة للغاية بالنسبة إلى ألمانيا. حيث يمثل قطاع صناعة السيارات الألماني مجموعة هائلة وواسعة وعميقة من المعرفة على مدار قرن كامل من الزمان في هذا المجال وحده. ومن شأن التحول السريع إلى إنتاج السيارات الكهربائية أن يلقي بجانب كبير من هذه المعرفة في سلة مهملات التاريخ.
حقق اقتصاد كوريا الجنوبية نموا جيدا في الربع الثاني من العام الجاري، غير أنه كان قد انكمش بنسبة 0.4 في المائة خلال الربع الأول. والتضخم آخذ في الانخفاض مما يشير إلى هبوط الطلب.
وكما هو الحال بالنسبة إلى ألمانيا، فإن المشكلة تكمن في الصادرات، حيث يتعلق القلق الكبير بقطاع صناعة أشباه الموصلات. وفي السنوات الأخيرة، تحولت كوريا الجنوبية إلى أحد المراكز القوية في هذه الصناعة، حيث تفوقت شركة سامسونغ على شركة إنتل الأميركية باعتبارها أكبر شركة آسيوية مصنعة لأشباه الموصلات على مستوى العالم (وربما هي الأكثر تفوقا من الناحية التقنية كذلك). تمثل صادرات أشباه الموصلات حوالي ربع الاقتصاد الكلي في كوريا الجنوبية. ولذلك، فإن الهبوط الأخير في الصادرات – ربما إثر التباطؤ المسجل في الصين، والنزاع التجاري القائم مع الولايات المتحدة، والحرب التجارية المتصاعدة بين كوريا الجنوبية واليابان – سوف يكون مؤلما للغاية.
ومن شأن تراجع المستهلكين في كوريا الجنوبية إلى تفاقم الصدمات الخارجية. ولقد تحملت الأسر الكثير من الديون الباهظة في السنوات الأخيرة، ويمكن أن يسفر تراجع الصادرات إلى تقليص المديونية بصورة شديدة.
أما في سنغافورة، فإن اقتصاد البلاد سجل انكماشا ملحوظا في الربع الثاني من العام الجاري. ومرة أخرى، لا يخرج الجاني الحقيقي عن تراجع الصادرات وضعف التصنيع التحويلي. ومع الصادرات التي تشكل نسبة 170 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فإن سنغافورة تتصدر بلدان العالم كواحدة من أكثر الدول اعتمادا على التجارة، وسوف تتأثر بشدة بالحرب التجارية الأميركية الصينية – بما في ذلك القيود الأميركية المفروضة على صادرات التكنولوجيا. ومن المفارقات الساخرة أن المظاهرات الصاخبة التي تجتاح هونغ كونغ الصينية، ربما تساعد سنغافورة في تفادي الوقوع في الركود الاقتصادي على المدى القصير، إذ يتحول النشاط المالي والتجاري في البلاد وفقا لتغيرات الأوضاع الجارية. غير أن الأثر بعيد المدى للحرب التجارية، مضافا إلى مشكلة شيخوخة السكان وتباطؤ الإنتاجية، سوف يستمر ويبقى.
وبالتالي، تشترك النجوم الاقتصادية الثلاثة في قضايا مماثلة – بطء التجارة العالمية، مع تراجع الطلب على الواردات الصناعية. وتسفر نهاية النمو الاقتصادي الصيني السريع، فضلا عن الحرب التجارية القائمة مع الولايات المتحدة، إلى نهاية النموذج الاقتصادي العالمي الذي كان دافعا كبيرا للكثيرين خلال العقدين الماضيين. وإذا ما تحولت الخلافات التجارية بين كوريا الجنوبية واليابان إلى الاندفاع صوب النزعات القومية الاقتصادية، فإن الاقتصادات القائمة على التصدير في العالم سوف تتعرض للمزيد من الآلام. وفي الأثناء ذاتها، من شأن الإلحاح المتزايد لمشاكل التغيرات المناخية العالمية أن يعطل صناعات السيارات التي تعتمد على منتجات الوقود الأحفوري. ومن المتوقع للبيئة الاقتصادية التي كانت سببا في بزوغ نجم كل من ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة في عام 2010، وما تلاه أن تقترب من فصل النهاية. ولا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة ليس لديها ما تتعلمه من الأنظمة التعليمية لهذه النظم الاقتصادية، وعلاقات العمل، والسياسات الصناعية في تلك البلدان. بل في واقع الأمر، يجب على الولايات المتحدة استنساخ أفضل عناصرها والاستفادة المثلى منها. ولكنها تذكرة بأن الأنواع المختلفة من الاقتصادات تتناسب مع أوقات وأزمنة متباينة، وعندما تتغير الأوقات، يتغير بتغيرها الفائزون والخاسرون في كل مجال.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة