... ومضت خضراء

... ومضت خضراء

الاثنين - 23 محرم 1441 هـ - 23 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14909]
بدر بن عبد الله بن فرحان
وزير الثقافة السعودي

في يوم الوطن، حيث تحتفل بلادُنا بالذكرى الـ89 لتوحيدها على يدِ الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه الله)، أتقدَّمُ بخالص التهنئة إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وإلى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، وإلى الشعب السعودي العزيز، مستذكرين مجداً خطَّه الأجدادُ وسارَ على دربهم الأحفاد.

89 عاماً مليئة بالأحداث الكبيرة والمنعطفات التاريخية والتحديات الجسام، مضت خضراءَ بعزائم الكبار في المملكة العربية السعودية، عزائم أحالت الجغرافيا المعقدة وصعوبة العيش إلى بلد يشهد التنمية والتطور والرخاء. ويحقق النجاحات على كل الأصعدة. ويبعث السلامَ والاستقرار والعطاء إلى كل المعمورة.

89 عاماً من العطاء الذي لا ينضب، ومن الازدهار الذي لا يتوقف، ومن التقدم والنمو. أعوام خضراء بدأ فصولَها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن (طيب الله ثراه)، الذي كان شخصية سياسية تاريخية وزعيماً عربياً خلَّده التاريخ المعاصر، كونه يمثل مشروعاً سامياً لمعنى الوحدة والإخاء الوطني بتنوعنا الثقافي الفريد. وقادَ بانفتاحه على العالم، واحدة من أنجح مسيرات التنمية والتحديث في العالم، في محيط مشتعل بالحروب والاقتتال والخلافات. كان (رحمه الله) يجسِّدُ جوهرَ شخصية الرجل السعودي المعتز بتراثه وثقافته، والمنفتح على ثقافات العالم، والذي يمدُّ جسورَ التواصلِ الثقافي والمعرفي مع الآخر.

حكمَ بلاده مترامية الأطراف، الواقعة على أكثر من مليوني كيلومتر مربع، بعد أن نجحَ في توحيد قلوب مواطنيه قبل الأرض، ونجحَ بعزيمة عظيمة في استيعاب التنوع الثقافي الفريد في المملكة، وكان نقطة جذب وسط الصحراء للمفكرين والمبدعين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم.

وبدأ في بناء الدولة الحديثة، وأَولَى عناية فائقة بالثقافة والتعليم، لقد حمل شعلة التنوير منذ اليوم الأول، حتى وصلت «الأمية القرائية» في المملكة اليوم، عقب جهود أطلق شرارتها الأولى الملك المؤسس وسار على دربه أبناؤه البررة، إلى أدنى مستوياتها؛ 5.6 في المائة، بعد أن كانت متفشية في أرجاء البلاد.

ولم تكنْ نظرة الملك المؤسس، المغفور له بإذن الله، للثقافة تقليدية في إطارها المحلِّي، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك. وهنا أستذكر أحد جهوده الكبيرة في دعم الثقافة في مسيرة وطننا بتوقيعه الانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) في 26 مارس (آذار) عام 1946 (أي بعد تأسيسها بأربعة أشهر).

كان - طيب الله ثراه - مدركاً لأهمية التواصل الثقافي العالمي، ومحفزاً على مدِّ الجسور الثقافية مع الآخر من أجل تعزيز السلام والاستقرار في العالم.

انفتاح ثقافي مع اعتزاز ثابت بالتراث والتاريخ، بهذه الوصفة يمكن تلخيص شخصية الملك عبد العزيز التي نجحت في تسخير الحداثة والتطوير في مشروع بناء دولته، التي أضحت واحدة من أهم دول العالم على كل الأصعدة. وعلى نهجه سار أبناؤه الملوك من بعده، وعزَّزوا الثقافة من خلال مشاريعَ رسمية عدة وزاد الإنتاج الإبداعي في البلاد، كمّاً ونوعاً، وتجاوز محيطه المحلي إلى الفضاء العالمي، حتى أصبح الإنتاج السعودي محلَ تقدير كبير في قطاعات ثقافية عدة ومتنوعة.

وحضرت الثقافة في النظام الأساسي للحكم بالمملكة في المادة الـ29 من الباب الخامس، بالتأكيد على أن «الدولة ترعى العلوم والآداب والثقافة، وتُعنى بتشجيع البحث العلمي، وتصون التراث الإسلامي والعربي، وتسهم في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية».

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، يمكنني القول بفخر كبير إن القطاع الثقافي شهد دعماً غير مسبوق في كل جوانبه. كما أنه عَبَرَ منحنى تاريخياً جديداً في الثاني من يونيو (حزيران) من العام الماضي، بعد أن أصدر خادم الحرمين الشريفين أمراً ملكياً يقضي بموجبه تأسيس وزارة الثقافة.

كما أن المملكة اليوم تضع الثقافة جزءاً أساسياً من التحول الوطني الطموح الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، وتنص رؤية المملكة 2030 على أن الثقافة «من مقوّمات جودة الحياة»، كما تشدد على أن المملكة بحاجة إلى زيادة نشاطها الثقافي، ومهمتنا في الوزارة تتمثل في البناء على هذا العمل والمساهمة في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030.

واليوم أرى مع زملائي في الوزارة، وشركائنا من المبدعين في رحلة تعزيز القطاع الثقافي بوادرَ مستقبل أكثر ازدهاراً ونماءً للقطاع، مستلهمين من سيرة الملك المؤسس وأبنائه الملوك، وتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين ورؤية القيادة الرشيدة الداعمة للثقافة بكل أشكالها. وسنمضي في رحلتنا الثقافية نحو الحفاظ على التراث التاريخي للمملكة وبناء مستقبل ثقافي تزدهر فيه مختلف أنواع الثقافة والفنون، لتثري نمط حياة الفرد، وتسهم في تعزيز الهوية الوطنية، وتشجع الحوار الثقافي مع العالم.


* وزير الثقافة السعودي


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة