حقب مضت وعيون ترصد

حقب مضت وعيون ترصد

الأحد - 23 محرم 1441 هـ - 22 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14908]
جاء وقت في منتصف الستينات من القرن الماضي، دبّ فيه خلاف سياسي حاد بين مصر الناصرية وتونس البورقيبية، بعد قيام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة عام 1965 بزيارة إلى الأردن، وإلقائه خطاباً مشهوراً في مدينة أريحا، دعا فيه العرب إلى قبول تقسيم فلسطين وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي تعارض مع الخط السياسي الناصري خصوصاً، والعربي عموماً، السائد آنذاك، مما أدى إلى حدوث مظاهرات تنديد في العديد من العواصم العربية. واندلعت حرب إعلامية ضارية بين وسائل الإعلام المصرية ونظيرتها التونسية.
تلك الفترة التاريخية مضت غير مأسوف عليها، ورحل عبد الناصر وبورقيبة إلى خالقهما، وتبيَّن لنا فيما بعد، عملياً، أن العواطف والخطب الحماسية لا تُحرر شعوباً، ولا تستعيد بلداناً، ولا تؤسس أوطاناً.
لحسن حظنا في ليبيا فإن المؤرخ الفلسطيني الراحل نقولا زيادة كان في بلادنا، وتحديداً، في برقة، خلال مرحلة الانتداب البريطاني، حيث عمل مساعداً لمدير المعارف.
كان الراحل زيادة، بعد النكبة عام 1948، قد ترك زوجته مارغريت وطفلهما في بيروت. وكانت برقة قد حصلت على استقلالها عام 1949 وأُعلنت إمارة، وتُوج الملك الراحل محمد إدريس السنوسي أميراً. وظلت طرابلس وفزان تحت حكم الإدارتين البريطانية والفرنسية على التوالي. وكانت القوى الوطنية في مختلف أنحاء ليبيا تبذل جهوداً حثيثة من أجل توحيد البلاد واستقلالها، وتم ذلك في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1951 وخرجت ليبيا إلى الوجود دولة مستقلة بعلم ونشيد، ونظام فيدرالي، وخزينة عامة تعيش على ما يصل إليها من مساعدات الأمم المتحدة، وما تدفعه بريطانيا وأميركا من رسوم لقاء تأجير أراضٍ حُولت إلى قواعد عسكرية.
كانت البلاد منهكة من جراء ما حدث من معارك فوق أراضيها بين جيوش الحلفاء وجيوش المحور، ولم يكن متوفراً لشعبها إلا القليل من الموارد الرعوية والزراعية، وتفشى الفقر والجهل والمرض، واشتدت العازة، لكنّ لُطف الله كان موجوداً، وخرجت ليبيا بعد فترة زمنية من محنتها الاقتصادية.
كان الراحل زيادة، لدى وصوله إلى مدينة بنغازي لمباشرة مهامه الوظيفية شديد القلق على أسرته، التي غادرت مدينة القدس، وانتقلت إلى بيروت بغرض الاستقرار. لذلك، كان حريصاً على التواصل مع زوجته مارغريت بالبريد. كان يجلس كل مساء في غرفته المؤجرة ليكتب لها رسائل يضمّنها كل ما جرى له من أحداث. وكان، بعين وذهن المؤرخ الذي سيكون مستقبلاً، يسجل ويوثّق كل كبيرة وصغيرة مما يرى ويشاهد في مقر عمله، أو في المدارس، أو الأسواق والطرقات، ومَن التقى ومع مَن تحدث، وماذا تناول من طعام، ولم تَفُتْه شاردة ولا واردة إلا ووثّقها في تلك الرسائل، حتى أنواع الخضراوات والفواكه، وأسعارهما، وأسعار البيض واللحوم، والمقارنة بينها وبين السلع والخضر في فلسطين. ومن حسن الحظ، أن مركز الدراسات الليبية الذي أسسه الراحل يوسف المجريسي في مدينة أكسفورد، تمكّن من التواصل مع المؤرخ زيادة قبل وفاته، وحصل منه على تلك الرسائل وقام بطبعها ونشرها في كتاب عام 2009 بعنوان «رسائل من برقة».
ما يلفت الانتباه، هو أن السيد زيادة كان على تواصل دائم مع أسرته من خلال اعتماده على البريد، الأمر الذي يؤكد وجود مؤسسة بريدية كفؤة. زيادة لم يتوقف عن كتابة الرسائل وإرسالها وتسلم الردود، وهذا يعني وجود بنية تحتية في قطاع الاتصالات يُعتمد عليها.
كان سعاة البريد في فترة الستينات من العلامات الواضحة في شوارع العاصمة طرابلس، وغيرها من المدن الليبية، ببدلاتهم الرسمية، وحقائبهم الجلدية، وهم يتنقلون محمَّلين بالرسائل من عنوان إلى عنوان، ومن منطقة إلى أخرى، وكانت مكاتب البريد موزَّعة في مختلف المدن والمناطق، وصناديق البريد في مختلف الشوارع والأحياء. وأذكر كذلك أنني في سنوات المراهقة كنت أهوى التعارف والمراسلة. وصار لي معارف وأصدقاء من عمري، في عديد من البلدان العربية، تصل إليّ رسائلهم أسبوعياً ويتلقون ردودي عليها، بلا انقطاع.
في عام 2011 سقط نظام القذافي، معلناً نهاية حقبة استمرت لمدة أربعة عقود زمنية، كانت من أصعب ما شهد الليبيون في تاريخهم الحديث من حقب إنْ لم تكن أحلكها. قبل انهيار النظام واختفائه من الخريطة السياسية بسنوات طويلة، اختفى البريد، وتعرضت مقرات مراكز البريد للإغلاق، وبعضها تحول إلى متاجر، وتم نقل أغلبية العاملين فيه إلى قطاعات أخرى، ولم يعد ممكناً إرسال رسالة إلا عبر مقر البريد الرئيسي في طرابلس. واختفى من شوارع طرابلس وأحيائها سعاة البريد، وبدلاتهم وحقائبهم، وحمولاتها من الرسائل، وتعرضت كلمة «ساعي بريد» للمحو من القاموس اليومي الليبي، ونشأ جيل جديد لم يروا ولم يسمعوا بسعاة بريد، ولم يدخلوا مكاتب بريد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة