دموع مدام كوري

دموع مدام كوري

الأحد - 3 ذو الحجة 1440 هـ - 04 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14859]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
في الصيف «يطوّلوك يا ليل». وللتحايل على ليالي القيظ يذهب الناس إلى صالات السينما ذات التكييف الجيد، أو يقصدون المعارض التي تبقي أبوابها مفتوحة لساعة متأخرة. ومنها معرض أقيم في المكتبة الوطنية الفرنسية عنوانه «إلحاح الكتابة».
إنه يجمع مدونات عثروا عليها بين مخلفات شخصيات شهيرة. خاطرة ألحت على صاحبها في لحظة ما فتناول أي ورقة تحت يده وكتب ما جال في خاطره. هناك الكثير من القصاقيص المهملة، مسوّدات الرسائل، ملاحظات مكتوبة على عجل، تعليقات وهوامش تبدو غير ذات بال. ما هو البال وما هي ذاته؟
يتوقف الزوار أمام أوراق ماريا سكلودوفسكا (1867 - 1934). العالمة البولونية التي حصلت على الجنسية الفرنسية بعد زواجها من أستاذها الفرنسي بيير كوري. أصبح اسمها ماري كوري. وبهذه الصفة نالت «نوبل» مرتين. طالبة متفوقة جاءت إلى باريس لأن الدراسات العليا كانت ممنوعة على النساء في بلدها. تعرفت في الجامعة على بيير. صار الحبيب والمعلم والصديق والشريك في التجارب العلمية والكشوفات. معه تقاسمت جائزة «نوبل» في الفيزياء، 1903. لكن شاحنة صدمته، ذات يوم، في أحد شوارع باريس. كيف تحتمل العيش في غيابه وهي الغريبة في البلد الغريب، لم تبلغ الأربعين بعد؟ اختلت بنفسها وأدركت أن ما مرّ بها في ذلك النهار، وفي الأيام التالية، سيكون من حصّة التاريخ. والتاريخ لا يقرأ ما في النفوس. ذاكرته الشفاهية قصيرة ولا بد من التسجيل.
تناولت ماري كوري دفتراً مدرسياً من دفاتر ابنتيها وسجلت لوعتها بخط دقيق. دفتر خرج إلى العلن في صالة من صالات المكتبة الوطنية. نقرأ في إحداها: «أدخل إلى الصالون. يقولون لي إنه مات. هل يمكن استيعاب هكذا كلمات؟ بيير مات. هو الذي رأيته يخرج صحيحاً في الصباح وكنت أتهيأ لاحتضانه بين ذراعيّ في المساء». نقلب الصفحة: «أردد اسمك دائماً وأبداً، بيير... بيير... بييري أنا». نلحظ أثر دمعتين أفلتتا على الورق من عينيها، اختلطتا بحبرها.
بعد وفاته، عادت ماري كوري مع البنتين لزيارة وطنها وحرصت على تعليمهما لغته. ولما اكتشفت عنصراً كيمياوياً جديداً أطلقت عليه اسم «بولونيوم»، اعترافاً بفضل بولونيا عليها. كل وثائقها ومسودات تجاربها العلمية محفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية. في مخازنها ألف ألف رسالة مما تركه المشاهير. وبين موسم وآخر يختار القائمون عليها عرض بعض ما لديهم من كنوز أدبية وتاريخية. يكشفون عن صفحات مجهولة ما يكون لها وقع المفاجأة على الوسط الثقافي. يتصور الباحثون أنهم ألمّوا بكل ما يتعلق بهذا الشاعر أو تلك الروائية، ثم يأتي معرض يمدّ لهم لسانه. تُخرج لهم المكتبة العتيدة من جعبتها أرانب ليست في الحسبان.
فكرة هذا المعرض تجميع أوراق المشاهير التي كُتبت على عجل، في لحظة خطر أو قلق أو ضرورة. عبارات تبدو أحياناً غامضة وأقرب إلى الهذيان، تترك وقعاً صادماً على من يطالعها ويتأمل الورق المجعّد والخطوط المرتبكة. يحاول أن يفك المعاني ويستحضر الحالة التي كُتبت تحت تأثيرها. هذه ليست مجرد خواطر صدرت عفواً بل كتابة عصبية تحت إلحاح الطوارئ. مفرقعات صغيرة تفجرت من داخل كاتبها. تقول لمن يراها أن ليس هناك أديب مكرس أو فيلسوف كبير أو عالم نال أرفع الجوائز وكان هادئاً، هانئاً، واثقاً من نفسه على طول الخط. لا مهرب من لحظات الشك. الخوف. الغضب. النقمة. الوحدة. الفقدان. التردد. الحزن واستشعار المخاطر. إنها اللحظات التي يمسك صاحبها القلم لكي يترك ما يشبه طلب النجدة: الحقوني!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة