الأمن الغذائي يتراجع والجوع يتقدم

الأمن الغذائي يتراجع والجوع يتقدم

الثلاثاء - 28 ذو القعدة 1440 هـ - 30 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14854]
داود الفرحان
كاتب عراقي
حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من تنامي البدانة التي تصيب السكان في كوكب الأرض، في الوقت الذي تزداد فيه معدلات الجوع في دول كثيرة بسبب الحروب والقحط والكوارث والاحتباس الحراري.
وذكر التقرير السنوي الجديد لحالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم أن ما يُقدر بأكثر من 820 مليون شخص لم يجدوا ما يكفيهم من الطعام في عام 2018 بزيادة قدرها سبعة ملايين شخص على عام 2017. وأشار التقرير إلى أن هدف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الجوع بحلول عام 2030 يتعرض لتحدٍ هائل. وهو تحد من عدة جوانب؛ أولها تخفيض عدد الأطفال الذين يعانون من التقزم إلى النصف، وثانيها تقليل عدد الذين يولدون بوزن ناقص، وثالثها معالجة البطء الشديد في التنمية المستدامة المهتمة بهذه الجوانب الحيوية.
ويلاحظ المحللون أن تقرير العام الحالي يدق جرس الإنذار أكثر من مرة بأن العالم لا يسير على الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى تحقيق معظم مقاصد أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالجوع والأمن الغذائي ونوع التغذية. وبعد أربع سنوات من بدء خطة الإنقاذ بحلول عام 2030 فإن بترو جيناري كبير خبراء الإحصاء في منظمة الفاو يرى أن الصورة «قاتمة» وأن «التراجع» هو المعيار عندما يتعلق الأمر بإنهاء الجوع وتطوير الزراعة وإدارة الموارد الطبيعية سواء على الأرض أو في المحيطات.
وأكدت منظمة الفاو أن نجاحها في خططها يعتمد إلى حد كبير على تعاون الدول المشمولة بخريطة الجوع في العالم. ومع ذلك فإن الاضطرابات والحروب الأهلية تحدثان شرخاً كبيراً في خطط الاستدامة وتعرقلان أي مشاريع تنموية وتعيقان أي أفكار خلاقة. ومن الأمثلة الصارخة على هذا التحدي ما يحدث في سوريا واليمن والعراق والسودان والجزائر عربياً، وفي دول أخرى أجنبية مثل فنزويلا وجنوب السودان. ولفتت المنظمة الدولية الانتباه أكثر من مرة إلى «الدول الجزرية» الصغيرة النامية في المحيطات، حيث دعت إلى إعلان حالة الطوارئ بسبب ازدياد البدانة بين سكانها، وطالبت حكومات هذه الجزر بمعالجة الأسباب الكامنة وراء هذا الاتجاه المقلق.
ومن الأساليب غير النمطية التي تم تبنيها دولياً الاهتمام بالمزارعين الأُسريين الذين يحتاجون إلى سياسات دعم عامة وأطر قانونية تمكنهم من التكيف والازدهار في بيئة اليوم المتغيرة بسرعة، وتعظيم مساهمتهم في التنمية المستدامة. والمقصود بالمزارعين الأُسريين: العوائل التي تدير مزارع خاصة أو مجموعات العوائل التي تتولى إدارة وإنتاج هذه المزارع. وأثبت العمل التعاوني الأُسري نجاحاً كبيراً موروثاً في مزارع الشاي في سريلانكا مثلاً، ومزارع القطن والأرز والموز والبلح في دول أخرى.
ولمنظمة الفاو نشاط آخر يموله «صندوق المناخ الأخضر» بالتعاون مع الدولة المستفيدة. وآخر هذه الأنشطة مشروع في باكستان يهدف إلى إحداث تحول في حوض نهر السند عن طريق الارتقاء بمستوى إدارة الزراعة والمياه لجعل هذه المنطقة الحيوية والمنتجة للغذاء أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ. وقدم الصندوق منحة للمنطقة تقدر بـ35 مليون دولار، في حين التزمت حكومتا البنجاب والسند المحليتان بتوفير مبلغ 12 مليون دولار لتمويل مشترك لمقاومة تغير المناخ.
في بعض دولنا العربية، ظلت الزراعة نمطية عقوداً طويلة تتوارثها الأجيال. ومنذ طفولتي وحتى اليوم لم تتغير أساليب زراعة البطيخ الأحمر والأصفر في العراق، ولا الصيد البدائي للأسماك ولا تلقيح النخيل وجني التمر. ما رآه جدي وعاشه هو ما أراه وأعيشه. والفلاح المصري الذي غنى له الموسيقار محمد عبد الوهاب والمطربة أسمهان في عام 1939 أغنية «محلاها عيشة الفلاح» من أشعار بيرم التونسي في فيلم «يوم سعيد» هو جَد الفلاح المصري الحالي الذي يشكو من أن واردات حقله لا تتناسب مع الجهود المبذولة في الحرث والزرع والري والمبيدات والتسويق، في الوقت الذي يشكو المستهلك فيه من ارتفاع الأسعار! صحيح أن مصر ودول الخليج العربي لجأت إلى أساليب حديثة في تأمين سلال الغذاء والتصدير، ومكافحة المجاعة، لكنها يجب أن تستفيد من تجارب دول أخرى ناجحة وفي مقدمتها اليابان.
من بين ما قرأت عن تجارب استثنائية في الزراعة، أن أستاذاً أميركياً في علوم صحة البيئة والميكروبيولوجي طلب من طلابه قبل عشرين عاماً أن يطعموا سكان جزيرة مانهاتن، وهي منطقة في نيويورك، البالغ تعدادهم مليوني نسمة باستخدام خمسة هكتارات فقط من حدائق أسطح المنازل وحدائق داخل البيوت. وكانت هذه أول مرة يسمع فيها العالم عن «الزراعة العمودية». تخيل الأستاذ، ودهش الطلاب، أن ناطحة سحاب في مدينة صناعية يمكن أن تكون مزرعة بـ«صفر نفايات». قال المدرس: «الجيران في الطابق الأسفل يربون قطيعاً من الماعز، وجيران الطابق الأعلى يزرعون مجموعة متنوعة من النباتات مثل الخس والعنب والطماطم وبقية الخضر وحتى بعض أشجار الفاكهة بلا جذورٍ عميقة». دعوني أكمل الفيلم: تسقط المياه المستخدمة في ري محاصيل الدور العلوي على الطوابق السفلى لري الفواكه والخضر، ويتم استخدام نفايات حيوانات الطابق السفلي في توليد الكهرباء للمبنى. ويستغني الجميع عن المبيدات ويوفرون المياه بنسبة ثلاثين في المائة. ثم يأتي الغذاء من المزرعة في عمارتك إلى مائدة طعامك طازجاً وصحياً ورخيصاً.
انتقلت الفكرة سريعاً إلى كوريا الجنوبية فصارت عندهم المزرعة من ثلاثة أدوار، تتم في الدورين الثاني والثالث زراعة الخضار وبعض الفواكه، بينما يخصص الدور الأول لتعليم الزراعة. الفكرة ليست تجارية لكنها واعدة.
أما أهم تجربة في نظري فهي تلك التي حققتها شركة «باناسونيك» في سنغافورة التي قررت أن تستثمر في مجال الزراعة العمودية بسبب قلة الأراضي المتاحة للزراعة في البلاد. فسنغافورة تستورد أكثر من 90 في المائة من احتياجاتها الغذائية. ولذلك شجعت الدولة المستثمرين لإطعام السكان من المزارع الرأسية، وانتقلت التجربة بنجاح إلى اليابان. وهناك في دبي مشروع مماثل لزراعة الفراولة رأسيا. وقد يقول قارئ إن الناس تريد بطاطس وطماطم وخياراً، وبعد ذلك لا مانع من أن نأكل فراولة!
في بداية المقال حذرت منظمة الأغذية والزراعة الدولية من ازدياد البدانة وتفشي الجوع. وهذا تناقض مفهوم هنا أو هناك. وقد لا تجدي كثيراً المزارع العمودية في دول مساحتها واسعة مثل روسيا والولايات المتحدة والهند، وعربياً مثل المملكة العربية السعودية ومصر والعراق والسودان ودول أخرى. إلا أن هذا لا يمنع منظمة «ناسا» الأميركية للفضاء من التخطيط لزراعة الفضاء لتأمين الفاكهة والخضار لرواد الفضاء السابحين في السماء السابعة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة