مضيق هرمز: ممر المصالح الحيوية للعالم

مضيق هرمز: ممر المصالح الحيوية للعالم

الخميس - 23 ذو القعدة 1440 هـ - 25 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14849]
حنا صالح
كاتب لبناني
في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي أعلن زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي أن منطقة الخليج هي منطقة المصالح الحيوية الأميركية، وفي يناير (كانون الثاني) 1980 أعلن الرئيس جيمي كارتر أن بلاده مستعدة للجوء إلى القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج. اليوم مع اعتماد دول الشرق والغرب في أكثر من 20 في المائة من احتياجاتها النفطية على نفط دول المنطقة، بات مضيق هرمز معبر المصالح الحيوية لهذه الدول، أشبه بالممر الإلزامي لاستقرار الاقتصاد العالمي، واستمراره وباب المندب بوصفهما ممرين آمنين أمام التجارة العالمية ضرورة للاستقرار، وبات من الصعوبة ترك الحبل على غاربه أمام العربدة الإيرانية التي حققت تكتيكياً جملة نقاط من خلال وضعها المنطقة على حافة الحرب!
الأزمة إلى تصاعد وقد بدأت قبل أشهر على خلفية تشديد العقوبات الاقتصادية الأميركية على النظام الإيراني. طهران تواصل التجرؤ واستعراض القوة، إذ بعد استهداف ناقلات النفط العالمية ومحطات ضخ النفط السعودي إلى ينبع، ثم إسقاط طائرة مسيّرة أميركية، اختطفت ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني من المياه الإقليمية لدولة عُمان! وبعيداً عن الروايات المفككة لحادث الاختطاف، وجهت طهران رسالة إلى واشنطن ومعها عواصم العالم، مفادها أنها قادرة على الذهاب بعيداً في لعبة التصعيد ووضع المنطقة على حافة الهاوية، وهدفها المعلن أنه: بديل الحرب هناك مطلب رفع العقوبات أو أقله العودة ولو الجزئية لنظام الإعفاءات، ما يعني إدخال تغيير نوعي على جدول الأعمال الأميركي، كي تذهب إلى طاولة المفاوضات بشروطها وليس تحت تأثير العقوبات الخانقة. هنا طهران على قناعة أنه لا قيمة للحديث الأميركي من أنه لا نية لتغيير النظام، لأنها تدرك أن الهدف الأميركي من تغيير سلوك النظام حيال المنطقة، هو تعبير ملطف عن الهدف الحقيقي، وهو في نهاية المطاف وضع إيران على طريق التغيير الشامل.
تبدو غير متأنية القراءة الإيرانية للقرار الأميركي تجميد الرد العسكري في اللحظات الأخيرة، وربما ذهبت طهران بعيداً في رهانها أن المقيم في البيت الأبيض عينه على الانتخابات الرئاسية العام المقبل، ويتحاشى الانزلاق إلى مواجهة عسكرية من الصعب أن تكون محدودة في الزمان والمكان. فشكل التهور الإيراني في اختطاف الناقلة البريطانية واقتيادها إلى مرفأ بندر عباس، مرحلة فاصلة لجهة التبعات، حيث بات النظام الإيراني المعزول في مواجهة مع العالم.
في مرحلة سابقة من تطور الأزمة مع إيران، طالبت أميركا العواصم التي تعتمد عجلتها الاقتصادية على التدفق الآمن للنفط من بلدان الخليج، بأن تشارك في حماية إمداداتها النفطية وكذلك في حماية خطوط التجارة العالمية. اختطاف الناقلة البريطانية وذهاب وفد عُماني إلى طهران مستنكراً عملية الخطف من المياه الإقليمية العمانية، وضع هذه القضية على جدول الأعمال، والآن تستعد نحو 60 دولة لإعلان عملية «الحارس»، وهو تحالف عسكري لحماية الملاحة البحرية ولردع النظام الإيراني، فيما كشف جيرمي هانت وزير خارجية بريطانيا عن خطوات متقدمة لإنشاء قوة أمنية بحرية بقيادة أوروبية لدعم المرور الآمن للطواقم والحمولات في هذه المنطقة الحيوية. وميدانياً تلاحقت الخطوات العملانية الأميركية التي يراد منها أن تشكل رادعاً للغطرسة الإيرانية، فكان تعزيز الوجود البحري والجوي، وإعادة الانتشار في دول المنطقة استناداً لاتفاقات أمنية سابقة، ومن ثم إرسال قوات إلى السعودية حظيت بموافقة مسبقة من الرياض لكونها ترفع من مستوى العمل المشترك بين أميركا والسعودية دفاعاً عن الأمن. وكانت آخر الخطوات خطوة انسحاب القوات الأميركية من الرطبة غرب الأنبار التي تمت في توقيت لافت، وهو تحصين المواقع الأميركية في المنطقة، حتى لا يشكل انكشاف انتشار بعضها لقمة سائغة أمام مخططات قاسم سليماني الذي وجّه «الحشد الشعبي» العراقي لتنفيذ مجموعة اعتداءات بصفته وكيلاً عن النظام الإيراني!
الصراع مفتوح. أميركا - ترمب لا تبدو مستعجلة، لأن العقوبات تفعل فعلها والحصار الاقتصادي يقضم كل يوم من هيبة حكم الملالي، وشكلت عملية خطف الناقلة ضربة مميتة لمحاولة الوساطة الفرنسية التي ربطت بين العودة الأميركية إلى سياسة الإعفاءات الجزئية وعودة إيران إلى التزام بنود الاتفاق النووي (...)، لكن هذه الوساطة بدت في الأساس من دون أفق، فهي من البداية تجاهلت حقيقة التغول الإيراني والمضي في نهج زعزعة استقرار المنطقة، وفي الهيمنة على العراق وسوريا ولبنان متوسلة أبشع الأساليب الاستعمارية والاستيطانية وحتى اعتبار العراق جزءاً من إيران (...)، وكذلك المضي في تطوير السلاح الباليستي وأثر ذلك على المنطقة والعالم، وتجاهلت ثانياً بروز معطيات تتمسك بها واشنطن، ومفادها أن طهران لم توقف التخصيب ولم تلتزم يوماً بالاتفاق النووي، الذي انسحبت منه أميركا قبل أكثر من عام، ويعلن الرئيس الأميركي أن التوصل لاتفاق مع إيران بات أمراً صعباً.
التصعيد لن يتوقف والتجرؤ الإيراني سيتواصل والنظرة المتأنية تؤكد أن الصعوبات باتت مضاعفة، ففي مقابل عدم التراجع الأميركي عن العقوبات التي تتصاعد باستمرار، فإن طهران لن تتوانى عن الذهاب إلى أبعد مدى رفضاً لهذه العقوبات، وهي اليوم في سباقٍ مع الوقت في عملية التخصيب، وكل المؤشرات تشي بأن لديها كل الإمكانات لبلوغ مرحلة إنتاج السلاح النووي. في لندن هناك تقدير معلن أن طهران ستصل إلى هذه المرحلة خلال عام واحد، ويرى مراقبون محايدون أن هذه الفترة لن تزيد على عام ونصف حتى تدخل إيران النادي النووي، وإذا ما حدث ذلك فإن كل المعطيات تكون قد تبدلت!
الوقت داهم ولا يبدو أن هناك على المدى القصير أي احتمال لاستيعاب حدة التوتر، لا بل مع اتساع سياسة الاستفزاز الإيرانية قد يحدث انزلاق عسكري في أي وقت، وما ينبغي وضعه في الحسبان أنه كلما اقتربت أميركا من الاستحقاق الانتخابي، تضاعفت العقبات والقيود على الرئيس الأميركي الساعي لولاية ثانية، والذي أعلن وكرر أن إيران لن تكون دولة نووية، وأن أميركا ستمنع الاضطراب الاقتصادي وتحرص على استقرار الأسواق، وهنا يشكل نفط الخليج رافعة أساسية.
ما الخطوة النوعية التي ستقدم عليها أميركا بعدما أعلن الرئيس ترمب أن بلاده «مستعدة لأسوأ خيار مع إيران؟»، خصوصا أنه من غير الجائز عدم التوقف أمام تهديدات القادة الإيرانيين بأنهم إذا حرموا من تصدير نفطهم فلن تتمكن أي جهة من ذلك... لذا إلى متى سيكون متاحاً مضي طهران دون رادع في رسم سياق التصعيد وشراء الوقت لاستمرار التخصيب؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة