في كل المجتمعات لا بد أن تدب في حواراتها فوضى كلامية، غير أن درجتها أو ظاهرتها تختلف حسب مدى تقدم المجتمع أو تخلفه. وربما تتوقف على ما إذا كان الجالسون ثلة من المثقفين الذي يتحلون بثقافة واسعة تجعلهم يمارسون شكلاً من أشكال الحوار الراقي. غير أن هذا الحوار لا يتطلب بالضرورة أن تكون مثقفاً، فهي تربية ينشأ عليها الناس منذ نعومة أظفارهم. والأهم أن يَرَوْا قدواتهم وآباءهم ومعلميهم يمارسون أدب الحوار وهو الإنصات الصادق للطرف الآخر بقصد الفهم، وعدم استخدام المقاطعة المتسرعة قبل أن يكمل المتحدث فكرته، والابتعاد عن التطفل بالدخول بين متحاورَين يحاولان تبادل وجهات النظر وفهم كل منهما الآخر.
والمتأمل في المناهج الدراسية العربية يجد فيها ما يعج بحكم ومواعظ عن أدب الكلام ثم تأتي الصدمة بأن المعلم هو آخر من يمارس ذلك كله. فيقمع مَن يخالفه الرأي أو يسفهّه أو يزدريه أو يصدمه في نهاية المقرر بالحصول على درجة F راسب! وكذلك الحال في البيت عندما يمارس الوالدان كل أسباب إذكاء الفوضى الحوارية ثم يخرج الطفل نسخة مشوهة منهما فيكرر السلوك ذاته في اجتماعات العمل، واللقاءات الاجتماعية، وشاشات الهاتف والتلفزيون ليفاقم أزمة الحوار أو «صراع الديكة» كما يطلق عليها وزير التعليم والنائب الكويتي الراحل د.أحمد الربعي.
وعليه نضع بين يدي القارئ العربي ثلاثية قد تسهم في حل فوضى الحوار. حيث قدمها الباحثون ساكس وجيفرسون وسكغلوف، عبر أبحاث علمية أسست لعلم مهم وهو تحليل الحوارات «conversation analysis»، فصار بمقدورنا معرفة مَن يقاطع مَن، ومتى يقاطع الناس بعضهم البعض، ولماذا لا يلتزم البعض في آداب الحوار بإفساح المجال للمستمعين بالتعبير عن آرائهم بحرية من دون مشاحنات.
فهذه الثلاثية البسيطة هي قواعد مهمة أهداها إلينا الباحث ساكس عام 1974 وزميلاه، إذ توصلوا إليها بعد تحويل نقاشات مسجلة عدة إلى نصوص في غاية الدقة تدون حتى «همهمات المستمعين» وكل نبرة صوت أو حرف يشير إلى رغبة في التحدث، فضلاً عن اللحظة التي يقاطع فيها الشخص الآخر. فكشفوا لنا أنه لو التزم المتحدثون والمستمعون بتلك القواعد لأصبحت النقاشات أكثر سلاسة وأريحية للجميع. الأولى: إذا دعا المتحدث أحد المستمعين للتعليق فلا يحق لأحد غيره التحدث. الثانية: إذا لم يتم تحديد المتحدث التالي، فإن من يملك حق التحدث هو أول من يبادر بالشروع في الحديث (ويلتزم الآخرون بالإنصات التام). القاعدة الثالثة: إذا لم يشرع أحد في الحديث، فإن للمتحدث الحالي أن يستمر بالتحدث إذا رغب في ذلك. هذه القواعد يجب أن تحدث بصورة عفوية جداً وليست بطريقة الاتفاق الرسمي أو المصطنَع.
أتمنى من خلال قراء هذه المطبوعة، التي توزّع في أكثر من 8000 مدينة حول العالم، أن نتعاون في نشر القواعد الثلاث في ترسيخ أدب الحوار في مدارسنا، واجتماعاتنا، ولقاءاتنا الاجتماعية حتى يصبح النقاش بناءً وممتعاً بدلاً من أن يتحول إلى نقاش عقيم أو «حوار طرشان».
9:11 دقيقه
TT
ثلاثية الحوار الراقي
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
