أسبوع حاسم في السودان

أسبوع حاسم في السودان

الخميس - 24 شوال 1440 هـ - 27 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14821]
ما لا تخطئه العين في المشهد السوداني اليوم، أن كل الأطراف تحشد قواها وتكثف تحركاتها، استعداداً لمواجهة مقبلة، بل وشيكة. الساحة تموج بالحراك، بعضه ظاهر في العلن، وأكثره في السر. كتل تخطط وتعمل على كيفية إخراج البلد من محنته، والإبحار به نحو تحقيق الحكم المدني، وتلبية مطالب الثورة التي ضحى كثيرون بدمائهم وبالغالي والنفيس من أجلها، بينما مجموعات أخرى تناور وتعمل لسرقة الثورة، إن لم يكن لوأدها.
تاريخ 30 يونيو (حزيران) الحالي أصبح بمحض الصدفة، شديد الأهمية لكي لا نقول مفصلياً. الاتحاد الأفريقي حدد هذا التاريخ نهايةً لمهلته التي سيتخذ بعدها إجراءات عقابية إضافية، إذا لم ينقل الحكم إلى سلطة مدنية. المجلس العسكري، للالتفاف على هذه المهلة، كثَّف تحركاته لإعلان حكومة مدنية قبل نهاية الشهر تكون مُفصَّلة على هواه، وتضمن بقاء الصلاحيات الحقيقية في يديه، وذلك بالتحالف مع قوى حزبية صغيرة أو محسوبة على النظام الساقط، ومع تشكيلات شبابية معزولة ومشكوك في أنها أصلاً مدعومة من المجلس، وتحديداً من قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي). كذلك سعى المجلس العسكري لإيقاظ وإشعال القبليات مستعيناً بالإدارات الأهلية المناطقية، ظناً منه أنها تمنحه شرعية يبحث عنها، وحلفاء، وإعطاء انطباع بأن قوى الهامش تقف معه. من جانبها قررت «قوى الحرية والتغيير»، التي تواجه ضغطاً شديداً من الشارع المحتقن بالغضب، العودة إلى التصعيد، وتسيير المواكب، فأصدرت جداول للمظاهرات والندوات في الأحياء، وتبنَّت الدعوة التي كانت قد انطلقت في الأسافير ووجدت دعماً وزخماً هائلين لخروج «مليونية 30 يونيو» بحشود ومظاهرات في كل الأحياء والمدن.
يبقى القول إن تاريخ 30 يونيو يصادف ذكرى مرور ثلاثين عاماً على انقلاب البشير الذي خططت له ونفذته الحركة الإسلاموية بقيادة الراحل حسن الترابي، ورجل الظل والمؤامرات علي عثمان محمد طه. وهناك قناعة لدى كثير من السودانيين أن ذلك النظام لم يسقط بالكامل، بل ضحى بالبشير في إطار مخطط لإعادة إنتاج نفسه، بعدما يطفئ لهيب الثورة التي كانت قد أصبحت قوة توشك أن تجتث النظام من جذوره. ما يعزز هذه القناعة أن الإسلامويين بلافتاتهم الحزبية المختلفة، ومعهم بقايا حزب المؤتمر الوطني، التفوا حول المجلس العسكري.
في إطار ماراثون التحركات الاستباقي لتاريخ الثلاثين، استقبلت الخرطوم، هذا الأسبوع، موفدين أفارقة وغربيين، وعقد الكونغرس الأميركي جلسة استماع، أول من أمس، وُجّهت فيها العديد من الرسائل المباشرة للأطراف المعنية، وبوجه خاص للمجلس العسكري الذي حملوه مسؤولية أحداث العنف والقمع والقتل التي وقعت إبان الثورة، كما اعتبروه مسؤولاً عن كل تفلتات قوات الدعم السريع، كون رئيسها حميدتي هو نائب رئيس المجلس، إضافة إلى أن أعضاء المجلس العسكريين دافعوا علناً عن هذه القوات، وحاولوا تبرئتها من الاتهامات الموجهة إليها.
من بين الرسائل الكثيرة التي وجهها الأميركيون للمجلس العسكري كانت هناك ثلاث رسائل لافتة. الأولى تتمثل في الإصرار على مدنية السلطة، وأنه لا تعامل اقتصادياً أو تحركاً لرفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، إلا إذا تسلمت السلطة حكومة مدنية ذات مصداقية وتحظى بقبول الشعب وقوى الثورة ممثلة في كتلة «الحرية والتغيير». وأهمية هذه الرسالة أن واشنطن والدول الغربية ومعها الاتحاد الأفريقي لن يقبلوا أي حكومة مدنية يشكلها المجلس العسكري منفرداً، وذلك في خطوة استباقية لمساعي المجلس لإعلان حكومته التي يريد بها تجاوز «قوى الحرية والتغيير»، بعدما عرقل المبادرة التي تقودها إثيوبيا، وأساء لرئيس وزرائها؛ عندما سخر حميدتي في خطاب له قبل أيام من المشاكل التي يواجهها آبي أحمد، بعد إحباط المحاولة الانقلابية في إقليم أمهرا، هذا الأسبوع، بقوله: «العندو موس يحلق دقنو»، أي أن من لديه شفرة حلاقة فالأولى أن يحلق بها ذقنه بدلاً من ذقون الآخرين، والمعنى أن آبي أحمد الأفضل له أن ينشغل بحل مشاكله بدلاً من يعرض حل أزمة السودان.
الرسالة الثانية التي وجهتها واشنطن كانت في شكل تحذير صريح للمجلس العسكري بعدم التصدي للمظاهرات المقررة في 30 يونيو، وأن يوقف ممارسات العنف، وإلا فإنه سيواجه «عواقب وخيمة». وأتبعت ذلك بالقول على لسان مسؤوليها الذين تحدثوا في جلسة الكونغرس، إنها تدرس استخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك فرض عقوبات على مسؤولي المجلس العسكري إذا عرقلوا التحول للحكم المدني، أو إذا مارسوا مجدداً العنف المفرط ضد المدنيين العزَّل المشاركين في التعبير عن حقوقهم بالمظاهرات السلمية. وفي هذا الصدد دعت الإدارة الأميركية ومعها كثير من دول العالم والمنظمات الدولية إلى إعادة خدمة الإنترنت التي قطعتها السلطات السودانية في أعقاب مذبحة فض الاعتصام، ووصفها المتحدث باسم المجلس العسكري بأنها «مهدد للأمن القومي».
أما الرسالة الثالثة، فهي اعتبار قوات الدعم السريع قوات منفلتة مسؤولة عن كثير من أحداث العنف والقتل، ويجب إخراجها من المدن. ارتباطاً بذلك اعتبر المجلس العسكري مسؤولاً عن ممارسات هذه القوات ويتحمل تبعات أعمالها، بما في ذلك ما قد يظهر في التحقيق الدولي المستقل الذي تطالب به كثير من الجهات داخل وخارج السودان حول مذبحة فض الاعتصام في التاسع والعشرين من شهر رمضان الفضيل (3 يونيو الحالي)، وربما يكون وارداً هنا التلويح بالمحكمة الجنائية الدولية التي قدمت لها بعض الملفات والأدلة من مجموعات سودانية ومنظمات معنية بحقوق الإنسان.
هذه الرسائل كانت بمثابة تصعيد للضغوط على المجلس العسكري وحلفائه لكي يوقف مساعيه للالتفاف على الثورة والقوى الممثلة لها، ويستجيب لدعوات تسليم الحكم إلى سلطة مدنية فاعلة وحقيقية، وليست صورية.
السؤال: هل يستجيب المجلس لهذه الضغوط أم يتجاهلها ويمضي في مخططاته وتشكيل سلطة بواجهات مدنية تبقي معظم الصلاحيات في يديه إلى حين ترتيب انتخابات «شكلية»؟
قياساً على تجارب الأسابيع الماضية والعديد من الشواهد، فإن المجلس العسكري سيحاول الالتفاف على هذه الضغوط، إما بتقديم تنازلات لشراء الوقت، أو بالمضي في خطته لإعلان حكومته «المدنية»، والمراهنة على أن الاهتمام الدولي بالسودان سيتراجع وسيقبل الناس الأمر الواقع. هذا الرهان سيكون خاسراً في تقديري، لأن المجلس العسكري أخطأ حتى الآن في كل حساباته بأن زخم الثورة سيتراجع بالوقت والمؤامرات لشق الصف، وشراء الذمم، وتحت ضغط العنف، فالشارع السوداني أظهر تصميماً غير عادي على مواصلة ثورته، بل إنه الآن مشحون بكثير من الغضب المكتوم منذ مذبحة فض الاعتصام، ونتيجة العنف وممارسات الإذلال للناس التي تقوم بها قوات الأمن وكتائب الظل الإسلاموية. وبسبب هذا التصميم الشعبي، فإن «قوى الحرية والتغيير» أظهرت تماسكاً رغم بعض الخلافات، كما أن العالم بقي مهتماً ومتعاطفاً مع الثورة السودانية التي حافظت على عنفوانها وسلميتها.
الأيام المتبقية من هذا الشهر ستكون حافلة بالتطورات، وربما المفاجآت. لكن المؤكد أن الشارع السوداني لن يهدأ ما لم يرَ ثمار ثورته، ومن يرد دليلاً فعليه أن يرصد روح العزم التي يبديها الشباب والشعارات التي يرفعونها هذه الأيام.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة