ليبيا... إشكالية الدولة و«الثورة»

ليبيا... إشكالية الدولة و«الثورة»

الجمعة - 17 شوال 1440 هـ - 21 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14815]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي
الأزمة الليبية وإشكالية استمرار «الثورة» وتأجيل الدولة، هي ما فاقم الأزمة الليبية، وجعلها تدور في دوامة الفوضى، التي لها الكثير من البواكي، ممن يرغب في استمرار ديمومة الفوضى، لاستمرار نهب أموال ليبيا، دون رقيب أو حسيب.
تأجيل الانتقال من مرحلة «الثورة» أو إسقاط الدولة بتوصيف أكثر دقة، إلى مرحلة الدولة واستعادتها، كان أمراً مدبراً ضمن مشروع الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، منذ إسقاط الدولة الليبية في 2011 بدلاً من الاكتفاء بإسقاط النظام أو الاكتفاء بإصلاح النظام، خاصة أن نظام القذافي كان قابلاً للإصلاح في آخر سنوات حكمه، إلا أن شريك الإصلاح لنظام القذافي في حقبة الإصلاح ضمن مشروع ليبيا الغد، كان الشريك الخطأ، وهو جماعة «الإخوان».
الأزمة الليبية عانت من عمليات الترحيل المتعمد من غدامس الليبية إلى الصخيرات المغربية، مروراً بتونس إلى جنيف السويسرية ولقاء باريس مرتين يفصلهما حول كامل وروما، ثم تفاهمات واتفاق أبوظبي.
الأزمة الليبية، كانت تعاني بين مرحلة وأخرى بتعدد واستبدال المبعوثين الدوليين بتنوع هواهم دون أن يكون هناك خريطة ثابتة للبعثة الدولية، مما تسبب بعدم إحداث أدنى تغيير أو تعديل، كما أن أعضاء البعثة كانت تلاحق بعضهم شبهات بالانتماء أو الانحياز لتنظيم «الإخوان» تعززها مواقف كثيرة تبنتها البعثة نتيجة التوجيه الخاطئ بتقارير منحازة أو في اختيارات البعثة لممثلي لجنة الحوار مثلاً، التي ما غاب عنها محب أو صديق بل وإخواني قيادي كبير تمت تسميته عضواً مستقلاً ضمن لجنة الحوار.
حوارات البعثة الدولية كانت دائماً بشخصيات جدلية بعضها متهم بالإرهاب بل وصدرت ضده مذكرات ملاحقة دولية ودعوتهم للحوار، مما يجعل الحوار عقيماً لا يمكن أن ينتج حلاً.
فالأزمة الليبية عبث بها المبعوثون الدوليون وقراءتهم الأحادية، فمثلاً إحاطة المبعوث الدولي غسان سلامة، التي كانت غير مقنعة، وأشبه بالتقرير المشوه من حيث المحتوى، بل كانت غير حيادية، كما تقتضي مهمة البعثة الدولية، شملت فيما يبدو التهويل واستخدام مفاهيم خاطئة ومغلوطة، استخدم فيها فزاعة التقسيم للبلاد، وفزاعة إخافة الأوروبيين من حرب طويلة الأمد في ليبيا على الضفاف الجنوبية للبحر المتوسط، بينما تم تجاهل وجود مرتزقة أجانب، وعناصر من «القاعدة» و«داعش» بين صفوف الميليشيات التي تقاتل إلى جانب حكومة «الوفاق» ضد الجيش الليبي، في معركة تطهير العاصمة طرابلس من الميليشيات.
الأزمة الليبية رغم كثرة الحوار والملتقيات حولها ورفعها شعارات ملتقيات «وطنية» وأخرى جامعة، كانت مجرد إعادة تكرار لنفس الوجوه والشخوص تقريباً بترتيب مختلف، واستبعاد شخصيات وطنية فاعلة، سواء ممن شارك أو يؤمن بحراك فبراير (شباط) 2011 غير المسلح أو حتى من لا يزال متمسكاً بتغيير سبتمبر (أيلول) 1969 غير المسلح، واكتفاء البعثة الأممية بالاستماع لممثلي أحزاب كرتونية لا تمثل 2 في المائة من شعب تمثله في الواقع قبائل وعشائر منذ مئات السنين، ولم يعرف تجربة الأحزاب ولا التنظيمات المؤدلجة مثل «الإخوان»، التي تسللت إلى المجتمع تحت عباءة الوسطية.
الأزمة الليبية التي تسعى الكثير من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية إلى استمرارها، يمكن حلها عند إبعاد هذه الشخصيات الجدلية وملاحقة المجرمين، عبر محكمة الجنايات الدولية ودعوة جادة للنشطاء الوطنيين ومشايخ القبائل وأساتذة الجامعات والمجتمع المدني، إلى مؤتمر ليبي جامع لا يحمل أي رؤى أو أجندات خارجية ولا مؤدلجة مثل التي يحملها جماعات الإسلام السياسي من «إخوان» و«قاعدة»، والدعوة إلى انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة بشكل مباشر، وإلا نصبح في دوران مستمر وترحيل للأزمة واستمرار وإطالة لعمرها طالما أن الدول ذات المصلحة لا تزال سباقة في إعادة إنتاج هذه الشخصيات وفرضها ضمن قائمة أي حوار ليبي، في حين هي شخصيات لا تمثل الليبيين بل بعضها يمثل تنظيم «الإخوان» الدولي ودولة المرشد وأخرى تبايع تنظيم «القاعدة» وتجاهر به، ولها صلات مباشرة معه، وجميعها لا تؤمن بجغرافيا الدولة الوطنية ولا بحقوق المواطنة للجميع.
الأزمة الليبية وإشكالية الدولة أم الثورة ستنتهي بمجرد استكمال سيطرة الجيش الليبي على العاصمة طرابلس وبسط سلطة الدولة لتنتهي شماعة «الثورة» الوجه الآخر للفوضى وينتهي بذلك الرهان على أن ليبيا ستبقى دولة فاشلة، فالليبيون شعب الجبارين سينهضون بدولتهم ولو تكاثر الأكلة على قصعتها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة