في أغسطس (آب) عام 1968 قرأت ضمن الكثير ممن كانوا في السفارة الأميركية في بون في ألمانيا الغربية باشمئزاز وحزن، التقارير عن دخول القوات السوفياتية بدباباتها إلى تشيكوسلوفاكيا مغلقة طرق الخروج ومحطمة بوحشية موسم الحرية الناشئ الذي أطلق عليه إصلاحيو الحرية في ذلك البلد «ربيع براغ».
وخلال شهور من ذلك استقللت وزوجتي غوين قطارا للجيش الأميركي في فرانكفورت إلى برلين الغربية كجزء من رحلات منتظمة للجيش الأميركي عبر الستارة الحديدية. وكان قطار الجيش الأميركي يؤكد حق الولايات المتحدة في المرور عبر ألمانيا الشرقية التي يحتلها الاتحاد السوفياتي. وكان علينا إبقاء الستائر مسدلة وعدم النظر إلى عيون جنود ألمانيا الشرقية في المحطات التي يمر بها القطار طوال الرحلة.
كانت تلك فترة الحرب الباردة وعقود التنافس القديم بين العالم الشيوعي والغرب التي سيطرت على جزء كبير من القرن العشرين. وسافرت مع غوين إلى براغ، عاصمة جمهورية التشيك الجديدة بعد سنوات دون قيود حكومية. وزرنا ألمانيا الموحدة دون ستائر مسدلة أو نظرات محولة.
قال مارتن لوثر كينغ إن «قوس الوجود الأخلاقي طويل لكنه ينحني نحو العدالة». ذلك هو السياق الذي يجب تقييم الأحداث على أساسه في عالم اليوم المضطرب. استغرق الأمر وقتا لكن مع شجاعة الزعامة غير العادية لنيلسون مانديلا انحنى القوس الأخلاقي أخيرا نحو العدالة في أبارتايد جنوب أفريقيا. احتاج الأمر إلى اشتباكات وعمل قانوني وتضحيات لكسر التحامل الذي صفد السود قانونيا في ذلك البلد. لكن العدالة سادت فوق قوانين جيم كراو العنصرية.
ولم يبق لا الاتحاد السوفياتي ولا تشيكوسلوفاكيا ولا ألمانيا الشرقية. وما حدث مع الرايخ الثالث سيحدث مع تنظيم «داعش». وستأتي العدالة.
أعلم أن ذلك سيثلج صدور الأبرياء الذي يعانون حصار متطرفي تنظيم «داعش» في الفلوجة. الحديث عن الوجود الأخلاقي لا يعني الكثير عندما تكون محصورا خارج دمشق تتفادى قذائف الحكومة السورية. وماذا تعني أناشيد الحرية للأمهات اللاتي اختطفت جماعة بوكو حرام بناتهن في نيجيريا أو لمن يعانون من هجوم الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا؟
لكن إقامة العدالة تهم من ينظرون مثلنا من الخارج – إن كان لدينا ضمير. ونحن نعلم مما أمامنا من أدلة أنه ليس للدولة الإسلامية قيم قابلة للتعويض.
وكما أعلن الرئيس أوباما في استونيا هذا الأسبوع فيجب أن يكون الهدف هو إذلالها وتدميرها. وفي ترديد لقول أوباما قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في بيان «للأسف ليست البربرية جديدة على عالمنا، لقد حاربناها من قبل ونحاربها اليوم».
ليس السؤال هو متى بل كيف سنقاتل الطغيان؟
كان ذلك سؤالا مركزيا إبان الحرب الباردة. كما كان خلال الكفاح ضد الأبارتايد والاستعمار في أفريقيا. وفي تحدي الديكتاتوريات في أميركا الجنوبية وفي تحطيم جدران الفصل العنصري في أميركا.
تعلمنا أن كل معركة يتم خوضها حسب طريقتها ووقتها. وكذلك الحال بالنسبة لتنظيم «داعش». ويتطلب الأمر قياس آثار أعمال اليوم على المستقبل، واتخاذ النظرة الطويلة. فالتاريخ يعلم ذلك.
لم ينته الربيع العربي بعد – ربما صار شتويا لكنه لم ينته. وربيع براغ الذي سحق بوحشية جاءت بعده الثورة المخملية ونهاية الهيمنة الشيوعية على التشيك. وكما قيل فإن الحرية بمجرد منحها لا يمكن سحبها.
أوباما يتعامل مع تنظيم «داعش» بالطريقة الصحيحة، فالقتال ضد المتطرفين الإسلاميين ليس قصة حساسة للوقت، فهي لا تضع نفسها قيد مقاطعات التصاريح الإخبارية والأخبار العاجلة. تخيلوا الحرب الباردة مع تغطية إخبارية لا تنقطع و«تويتر» ومعلومات على المواقع الإلكترونية. ولا تتفق تعبئة المجتمع الدولي لمكافحة نفوذ الدولة الإسلامية وتمويل المقدرات العسكرية بدقة مع دورة الأخبار العالمية على مدى الأربع والعشرين ساعة.
ولكن لا يتفق كذلك موت الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية وجمهورية ألمانيا الديمقراطية وجمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية وحزب المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا أو اتحاد الولايات الانفصالية في أميركا.
قال دز كينغ للجموع التي سارت نحوه من سلما إلى مونتغمري عام 1965 «أعلم أنكم تسألون اليوم كم سيستغرق ذلك من الوقت؟ يسأل أحد: كم من الوقت سيُعمي التحامل رؤية الرجال ويغطي فهمهم بالعتمة ويقود الحكمة ذات العيون المشرقة من عرشها المقدس؟ كم من الوقت ستصلب العدالة ويتحمل العدل ذلك؟ حضرت لأقول لكم هذه الظهيرة إنه مهما كانت صعوبة اللحظة ومهما كان إحباط الساعة فإنها لن تكون طويلة لأن الحق الذي سحق إلى الأرض سيصعد مرة أخرى. كم سيستغرق ذلك؟ ليس طويلا لأنه لا يمكن لكذبة أن تعيش إلى الأبد. كم سيستغرق ذلك؟ ليس طويلا لأنكم ستحصدون ما زرعتموه».
كم سيستغرق ذلك؟ ليس طويلا لأن قوس الوجود الأخلاقي طويل لكنه ينحني نحو العدالة.
* «خدمة واشنطن بوست»
